“التقويم الذي يكتب التاريخ”.. كيف تحوّل الزمن في إسرائيل إلى أداة لترسيخ الرواية اليهودية؟
تل أبيب- المنشر_الاخباري
في الوقت الذي تبدو فيه التقاويم لدى معظم شعوب العالم مجرد وسيلة لتنظيم الأيام والمواسم، ينظر الإسرائيليون إلى التقويم العبري باعتباره أكثر من مجرد نظام لحساب الزمن، بل باعتباره أحد الأعمدة التي تحفظ الهوية اليهودية، وتعيد إنتاج الرواية التاريخية والدينية عامًا بعد آخر. فالأعياد، وأيام الصيام، وذكريات الحروب، وحتى الكوارث التاريخية، جميعها تتحول إلى محطات ثابتة في الوعي الجمعي، بما يجعل الماضي حاضرًا بصورة دائمة في الحياة اليومية.
ويرى مراقبون أن التقويم العبري لم يعد مجرد إرث ديني، بل أصبح أداة ثقافية وسياسية تسهم في صياغة الهوية الإسرائيلية الحديثة، من خلال ربط الأحداث التاريخية بالدين والقومية، وهو ما يثير في المقابل انتقادات تعتبر أن هذه الآلية تكرّس رواية تاريخية واحدة على حساب روايات أخرى.
تقويم يجمع بين الشمس والقمر
يختلف التقويم العبري عن معظم التقاويم المعتمدة في العالم، إذ يجمع بين النظامين القمري والشمسي في آن واحد. فالشهور تُحسب وفق دورة القمر، بينما تُحدد الفصول وفق الدورة الشمسية، ولهذا يُضاف شهر كامل سبع مرات كل 19 عامًا لضمان بقاء الأعياد في مواسمها الأصلية.
ويؤكد باحثون إسرائيليون أن هذا النظام حافظ على ارتباط اليهود بالأرض والزراعة والأعياد الموسمية رغم قرون الشتات، إذ بقي عيد الفصح في الربيع، وعيد المظال في الخريف، خلافًا لتقاويم أخرى تتحرك مواسمها مع مرور السنوات.
كما يُنظر إلى هذا النظام بوصفه دليلًا على استمرارية التراث اليهودي، إذ ظل مستخدمًا عبر آلاف السنين مع تعديلات طفيفة فقط.
الزمن بوصفه ذاكرة جماعية
لكن وظيفة التقويم، بحسب عدد من المفكرين الإسرائيليين، لا تقتصر على تنظيم الوقت، بل تمتد إلى حفظ الذاكرة الجماعية وإعادة إحيائها بصورة دورية.
فكل مناسبة دينية أو وطنية تحمل في طياتها رسالة تاريخية، إذ لا يمر احتفال أو يوم حداد دون استحضار حدث مفصلي في التاريخ اليهودي، وهو ما يجعل الماضي حاضرًا بصورة مستمرة في الوعي العام.
ويرى منتقدون أن هذه الآلية ساهمت في تحويل التقويم إلى وسيلة لترسيخ الرواية الصهيونية، حيث تُربط الأجيال الجديدة بشكل دائم بسلسلة متواصلة من الأحداث التي تُقدَّم باعتبارها تاريخًا موحدًا للشعب اليهودي.
التاسع من آب.. يوم تختزل فيه قرون من المآسي
يُعد التاسع من شهر “آب” أبرز مثال على هذا التوظيف التاريخي للتقويم.
فاليوم الذي يُحيي فيه اليهود ذكرى تدمير الهيكل الأول ثم الهيكل الثاني، تحول مع مرور الزمن إلى مناسبة تُربط بها أحداث تاريخية أخرى، مثل طرد اليهود من إسبانيا، وبعض المجازر التي تعرضوا لها في أوروبا، وصولًا إلى وقائع حديثة جرى ربطها رمزيًا باليوم نفسه.
ويرى مؤرخون أن هذا الربط يمنح التقويم بعدًا يتجاوز الدين، ليصبح وسيلة لبناء سردية تاريخية تعتبر أن معاناة اليهود سلسلة متصلة عبر العصور.
في المقابل، يعتبر باحثون أن هذا الأسلوب يختزل أحداثًا تاريخية مختلفة في إطار واحد، ويعزز مفهوم “الاضطهاد الدائم” باعتباره العنصر المركزي في الهوية اليهودية الحديثة.
الهولوكوست.. عندما اصطدمت السياسة بالدين
برز الدور السياسي للتقويم بصورة أوضح بعد قيام إسرائيل، مع الجدل حول موعد إحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست.
فبينما طالب عدد من الحاخامات بإحياء الذكرى في يوم ديني قائم، باعتبارها جزءًا من سلسلة الكوارث التاريخية التي مر بها اليهود، سعت الحركة الصهيونية إلى تخصيص يوم يرتبط بانتفاضة غيتو وارسو، لإبراز جانب المقاومة والبطولة.
واستمر الجدل حتى جرى اعتماد السابع والعشرين من شهر “نيسان” موعدًا رسميًا، في تسوية جمعت بين الاعتبارات الدينية والقومية.
ويرى محللون أن هذه الخطوة عكست كيفية استخدام التقويم لإعادة صياغة الذاكرة الوطنية بما يخدم بناء الدولة الجديدة وهويتها.
محاولة لربط الماضي بالحاضر
لا تقتصر المناسبات في التقويم العبري على استذكار الأحداث القديمة، بل تمتد لتشمل أحداثًا حديثة مثل يوم الاستقلال ويوم ذكرى قتلى الجيش الإسرائيلي، اللذين أُضيفا بعد قيام الدولة، ليصبحا جزءًا من الدورة الزمنية ذاتها.
ويرى مراقبون أن إدخال هذه المناسبات ضمن التقويم العبري منح المشروع الصهيوني امتدادًا تاريخيًا ودينيًا، وربط الدولة الحديثة بتاريخ يمتد لآلاف السنين.
وفي المقابل، يعتبر منتقدون أن هذا الدمج بين المناسبات الدينية والوطنية يُستخدم لإضفاء شرعية تاريخية على المشروع السياسي الإسرائيلي.
التقويم كأداة لبناء الهوية
ويؤكد مؤيدو هذا النهج أن قوة الشعب اليهودي تكمن في قدرته على الحفاظ على ذاكرته عبر الزمن، وأن التقويم هو الوسيلة التي منعت ضياع تلك الذاكرة خلال فترات الشتات الطويلة.
لكن أصواتًا أكاديمية ترى أن التقويم لم يعد مجرد وسيلة دينية أو ثقافية، بل تحول إلى أداة لإعادة إنتاج الرواية الإسرائيلية الرسمية، من خلال اختيار أحداث بعينها وإبرازها بصورة دورية، بينما تغيب روايات أخرى عن المشهد.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن قوة التقويم العبري لا تكمن فقط في دقته الزمنية، وإنما في قدرته على تحويل الزمن نفسه إلى وسيلة لإعادة تشكيل الهوية والوعي السياسي، بحيث يصبح الاحتفال أو الحداد جزءًا من عملية مستمرة لصياغة الذاكرة الجماعية.
وبهذا المعنى، لم يعد التقويم العبري مجرد حساب للأيام والشهور، بل أصبح، في نظر كثيرين، أحد أكثر أدوات إسرائيل تأثيرًا في ترسيخ سرديتها التاريخية، وإبقاء الماضي حاضرًا في السياسة والثقافة والهوية، عامًا بعد عام.
#










