بعد نحو 17 عاماً من القطيعة الدبلوماسية، بدأت إسرائيل وفنزويلا مساراً جديداً لإعادة بناء العلاقات، في تطور لم يبدأ هذه المرة من غرف المفاوضات التقليدية، بل من عمليات الإنقاذ والمساعدات الإنسانية التي أعقبت الزلزال المدمر الذي ضرب فنزويلا في يونيو الماضي.
تل أبيب- المنشر_الاخباري
ورغم أن الخطوة الأخيرة لا تعني عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين، فإن تبادل المذكرات الدبلوماسية واستئناف العلاقات القنصلية، إلى جانب الاتفاق على فتح قنصليات عامة في كل من إسرائيل وفنزويلا، يمثل تحولاً لافتاً في علاقة ظلت لسنوات طويلة محكومة بالعداء السياسي والقطيعة الرسمية.
والأهم أن التطور يأتي بعد سنوات كان فيها التواصل بين البلدين محدوداً للغاية، بينما تراجعت أعداد أفراد الجالية اليهودية في فنزويلا بصورة كبيرة، وسط موجات من الهجرة والاضطرابات السياسية والاقتصادية.
من القطيعة إلى لغة الإنقاذ
بدأت نقطة التحول عقب الزلزال المزدوج الذي ضرب فنزويلا في 24 يونيو، مخلفاً دماراً واسعاً وحاجة عاجلة إلى فرق الإنقاذ والخدمات الطبية والمساعدات.
وفي أعقاب الكارثة، وصلت فرق إسرائيلية للمساعدة في عمليات البحث والإنقاذ وتقديم الدعم الإنساني، وشاركت منظمات مثل زاكا وناتان وإسراأيد في الجهود الميدانية.
وبدلاً من أن تكون المساعدات مجرد استجابة إنسانية مؤقتة، تحولت تدريجياً إلى قناة اتصال غير مباشرة بين البلدين، بعدما وجد مسؤولون ومواطنون من الجانبين أنفسهم أمام قضية تتجاوز الخلافات السياسية: إنقاذ الأرواح وإعادة بناء المناطق المتضررة.
وتشير رواية المشاركين في هذه الجهود إلى أن استقبال الوفود الإسرائيلية في بعض المناطق الفنزويلية اتسم بالترحيب والامتنان، وهو ما ساعد على خلق مساحة جديدة للحوار لم تكن متاحة في السنوات السابقة.
17 عاماً من القطيعة
تعود جذور القطيعة إلى يناير 2009، عندما قرر الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز قطع العلاقات مع إسرائيل، في ظل توتر إقليمي وسياسي حاد.
ومنذ ذلك الوقت، غابت القنوات الدبلوماسية الرسمية المباشرة، وأصبح المواطنون في البلدين يواجهون صعوبات أكبر في الحصول على الخدمات القنصلية.
وكانت الجالية اليهودية في فنزويلا من أكثر الأطراف تأثراً بهذا الوضع. فبعدما كان عددها يقدر بعشرات الآلاف، انخفض بصورة حادة على مدار السنوات، نتيجة الهجرة والأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية.
وبالتالي فإن استعادة العلاقات القنصلية لا تحمل معنى سياسياً فقط، وإنما يمكن أن يكون لها أثر مباشر على آلاف المواطنين الذين فقدوا لفترة طويلة قناة رسمية للتواصل والخدمات.
دور الدبلوماسية الهادئة
وراء التطور الأخير سنوات من الاتصالات غير المعلنة والعمل الهادئ.
ويبرز في هذا السياق دور الحاخام إسحاق كوهين، كبير حاخامات الجمعية الإسرائيلية في فنزويلا، الذي حافظ، وفق المقال، على قنوات اتصال مع حكومات فنزويلا المتعاقبة، بهدف أساسي هو حماية الجالية اليهودية ومتابعة احتياجاتها.
وفي 9 أغسطس، وجّه كوهين رسالة إلى وزير الخارجية الفنزويلي فيليكس بلاسنسيا، طالب فيها باستعادة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية.
وبعد يوم واحد فقط، بدأت تظهر مؤشرات رسمية على تحول هذا المسار الطويل من الاتصالات الهادئة إلى قرار سياسي.
وهنا تكمن أهمية التطور: فعودة العلاقات لم تأتِ نتيجة لقاء سياسي مفاجئ، وإنما بعد تراكم طويل من الاتصالات الإنسانية والقنصلية والجهود الشخصية.
إسرائيل وفنزويلا.. تحالفات الأمس تتغير
تكتسب الخطوة أهمية أكبر بالنظر إلى موقع فنزويلا السابق في شبكة التحالفات الدولية.
فخلال سنوات حكم تشافيز ثم نيكولاس مادورو، كانت كاراكاس من أبرز حلفاء إيران في أميركا اللاتينية، كما اتخذت الحكومة الفنزويلية مواقف شديدة الانتقاد لإسرائيل.
لكن المشهد الإقليمي والدولي تغير بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة.
ووفق المقال، شكّل أسر الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة في يناير نقطة تحول في المشهد السياسي الفنزويلي، قبل أن تأتي الكارثة الطبيعية لتمنح العلاقة الجديدة بعداً إنسانياً.
وهكذا انتقلت العلاقة تدريجياً من نموذج يقوم على الخصومة السياسية إلى نموذج أكثر براغماتية، يبدأ من التعاون في الإنقاذ والخدمات الإنسانية، ثم يمتد إلى القنوات القنصلية وربما لاحقاً إلى العلاقات الدبلوماسية الكاملة.
الجالية اليهودية في قلب التحول
استعادة العلاقات القنصلية تحمل أهمية خاصة بالنسبة للجالية اليهودية في فنزويلا.
فغياب السفارة الإسرائيلية طوال سنوات طويلة جعل الجالية تعتمد على قنوات غير مباشرة لمعالجة قضاياها، في وقت كانت فيه أعداد اليهود في البلاد تتراجع بشكل كبير.
ومن المتوقع أن توفر القنصليات الجديدة إطاراً أكثر انتظاماً للتعامل مع الوثائق والخدمات القنصلية وشؤون المواطنين، فضلاً عن إعادة بناء الاتصال المؤسساتي بين الجالية والدولة الإسرائيلية.
لكن أهمية المسألة تتجاوز الجانب الإداري؛ إذ تمثل عودة التمثيل القنصلي اعترافاً بأن العلاقة بين الشعوب يمكن أن تستمر حتى عندما تنقطع العلاقات بين الحكومات.
من المساعدات إلى السياسة
السؤال الأبرز الآن هو: هل ستبقى الخطوة في حدود التعاون القنصلي والإنساني، أم أنها ستكون مقدمة لاستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة؟
المؤشرات الحالية لا تعطي إجابة نهائية.
فالبلدان لم يعلنا بعد عودة كاملة للعلاقات الدبلوماسية، لكن فتح القنصليات وتبادل المذكرات يمثلان عادة خطوة مؤسساتية مهمة نحو إعادة بناء الثقة.
وفي حال استمرار التعاون الإنساني ونجاح القنوات القنصلية، يمكن أن تنتقل العلاقة تدريجياً إلى مجالات أخرى، مثل التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والزراعة والصحة وإدارة الكوارث.
وهذه المجالات قد تكون أكثر أهمية لفنزويلا في ظل حاجتها إلى إعادة بناء قطاعات واسعة من اقتصادها وبنيتها التحتية.
زلزال أعاد فتح باب أغلقته السياسة
المفارقة الأكبر في هذه القصة أن الكارثة الطبيعية التي تسببت في دمار واسع أصبحت، في الوقت نفسه، عاملاً ساعد على إزالة جزء من الحواجز السياسية التي استمرت 17 عاماً.
ففي حين فشلت السياسة خلال سنوات طويلة في إعادة العلاقات، نجحت فرق الإنقاذ والمساعدات الإنسانية في خلق مساحة للتواصل.
والرسالة التي ظهرت من خلال هذه التجربة هي أن العلاقات بين الدول لا تُبنى دائماً عبر الاتفاقات السياسية الكبرى؛ ففي بعض الأحيان تبدأ من مستشفى، أو فريق إنقاذ، أو عملية بحث عن مفقود، أو مساعدة لعائلة فقدت منزلها.
طريق طويل أمام التطبيع الكامل
ومع ذلك، فإن التفاؤل بشأن المستقبل يحتاج إلى قدر من الحذر.
فالقطيعة التي استمرت 17 عاماً لم تكن مجرد خلاف دبلوماسي بسيط، بل ارتبطت بتحولات سياسية عميقة في فنزويلا والمنطقة.
كما أن إعادة العلاقات الرسمية الكاملة تتطلب توافقاً سياسياً أوسع، وتحديد الملفات التي يمكن التعاون فيها، إضافة إلى معالجة إرث السنوات الماضية.
لكن مجرد انتقال البلدين من القطيعة إلى تبادل المذكرات واستعادة العلاقات القنصلية يمثل بحد ذاته تحولاً كبيراً.
وقد تكون المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الطرفين على تحويل التعاون الإنساني إلى علاقة مستقرة وطويلة الأمد.
ما يحدث بين إسرائيل وفنزويلا ليس عودة كاملة للعلاقات بعد، لكنه أقوى مؤشر منذ سنوات على أن صفحة جديدة بدأت تُكتب.
فبعد 17 عاماً من القطيعة، أعادت الكارثة الإنسانية فتح قنوات الاتصال، ثم تحولت المساعدات إلى تعاون، والتعاون إلى اتصالات رسمية، والاتصالات إلى خطوات قنصلية.
ويبقى السؤال الحقيقي: هل تتوقف العملية عند حدود القنصليات، أم تتحول خلال الأشهر المقبلة إلى استعادة كاملة للعلاقات الدبلوماسية بين تل أبيب وكاراكاس؟
إذا استمر المسار الحالي، فقد تصبح المساعدات التي بدأت كاستجابة لزلزال، الشرارة التي أعادت بناء جسر سياسي ظل مغلقاً لنحو عقدين.










