تعيينات واسعة في الجيش والحرس الثوري لسد فراغ القادة الذين قتلوا في الضربات الإسرائيلية والأميركية، وسط مؤشرات على إعادة ترتيب المؤسسة الأمنية الإيرانية استعدادا لمرحلة أكثر حساسية
طهران – المنشر_الاخباري
بدأت إيران إعادة تشكيل قيادتها العسكرية والأمنية عبر سلسلة تعيينات جديدة أصدرها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في خطوة تأتي بعد مقتل عدد من كبار القادة خلال الضربات الإسرائيلية والأميركية الأخيرة، وتكشف عن محاولة سريعة لملء الفراغات داخل واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حساسية.
وشملت القرارات ستة مسؤولين عسكريين وأمنيين، بينهم علي عبد اللهي الذي عُيّن رئيسا لأركان القوات المسلحة الإيرانية، وكيومرث حيدري نائبا له. وكان عبد اللهي يشغل قبل ترقيته منصب قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، بينما ظل منصب رئيس الأركان شاغرا منذ مقتل عبد الرحيم موسوي خلال عملية “الأسد الزاحف”.
ويمتلك عبد اللهي مسيرة طويلة داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، إذ انضم إلى القوات المسلحة بعد الثورة عام 1979، وشارك في الحرب الإيرانية العراقية خلال ثمانينيات القرن الماضي. كما تولى خلال السنوات الماضية عددا من المناصب الأمنية والعسكرية، من بينها نائب قائد قوات إنفاذ القانون، والقائم بأعمال قائد الشرطة، ونائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية وإنفاذ القانون، إضافة إلى مناصب قيادية في الحرس الثوري والقوات الجوية التابعة له.
أما نائبه كيومرث حيدري، فينتمي بصورة أكبر إلى الجيش الإيراني النظامي، رغم أنه بدأ خدمته عضوا متطوعا في قوات الباسيج. ويشير الجمع بين عبد اللهي وحيدري إلى محاولة الحفاظ على توازن داخل القيادة العسكرية بين الشخصيات المرتبطة بالحرس الثوري والجيش النظامي.
وفي الحرس الثوري، عُيّن أحمد وحيدي رسميا قائدا للحرس، فيما جرى تعيين مصطفى إزدي نائبا له. وكان وحيدي قد برز خلال الفترة الماضية باعتباره أحد الشخصيات المقربة من دوائر صنع القرار في طهران، كما أشارت تقارير إلى نفوذه المتزايد داخل المؤسسة العسكرية.
ويحمل وحيدي تاريخا طويلا في العمل الأمني والعسكري، كما ارتبط اسمه بقضية تفجير مركز الجمعية اليهودية الأرجنتينية في بوينس آيرس عام 1994، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 85 شخصا وإصابة نحو 300 آخرين. وتتهمه جهات دولية بالارتباط بالتخطيط للعملية، وهو ما جعل اسمه لسنوات ضمن الشخصيات الإيرانية الأكثر إثارة للجدل على المستوى الدولي.
ويأتي تعيينه على رأس الحرس الثوري في وقت تكتسب فيه المؤسسة دورا أكبر في إدارة الملفات العسكرية والتفاوضية في إيران، إذ يرى محللون أن دوائر مرتبطة بالحرس الثوري أصبحت أكثر حضورا في تحديد طبيعة الرد الإيراني وفي صياغة المواقف المتعلقة بالمفاوضات.
أما مصطفى إزدي، فقد أمضى نحو أربعة عقود في المؤسسة العسكرية والحرس الثوري، وشارك خلال الحرب الإيرانية العراقية، وتولى لاحقا قيادة القوات البرية التابعة للحرس الثوري، قبل أن يشغل منصبا في مقر خاتم الأنبياء المرتبط بالتهديدات السيبرانية والناشئة.
وفي خطوة أخرى، عُيّن علي أعظمي قائدا للقوة البحرية التابعة للحرس الثوري، خلفا لعلي رضا تنكسيري الذي قتل في غارة جوية في مارس. وكان أعظمي قد تولى قيادة المنطقة البحرية الخامسة للحرس الثوري منذ تأسيسها عام 2012، كما شغل سابقا منصب نائب قائد المنطقة البحرية الأولى.
كما أُسندت قيادة قوات الباسيج إلى حسين طائب، الذي سبق أن تولى منصبا بارزا في الأجهزة الأمنية الإيرانية، وفرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات بسبب دوره في قمع احتجاجات سابقة داخل البلاد. وتشير التوجيهات المرتبطة بمنصبه الجديد إلى التركيز على تعزيز ما يوصف بشبكة الاستخبارات الشعبية وتوسيع استخدام التكنولوجيا وتنظيم نشاطات الباسيج داخل الأحياء والمناطق السكنية.
وتكتسب هذه التعيينات أهمية تتجاوز مجرد سد الشواغر الناتجة عن مقتل القادة، لأنها تأتي في وقت تواجه فيه طهران ضغوطا عسكرية وأمنية متزامنة، وتحتاج إلى إعادة تنظيم سلسلة القيادة وضمان استمرار عمل الأجهزة العسكرية والاستخباراتية في ظل احتمال تجدد المواجهة.
وفي المجلس الأعلى للأمن القومي، عيّن مجتبى خامنئي محسن رضائي ممثلا له، وهو قائد سابق للحرس الثوري تولى قيادة المؤسسة بين عامي 1981 و1997، كما عُيّن محمد باقر ذو القدر مستشارا سياسيا للمرشد.
وتعكس هذه التعيينات اتجاها واضحا نحو الاعتماد على شخصيات تمتلك خبرة طويلة داخل النظام العسكري والأمني، بدلا من إدخال وجوه جديدة بالكامل إلى مراكز القرار. ويبدو أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على تماسك المؤسسة بعد الخسائر التي تعرضت لها قياداتها، وضمان عدم تحول الضربات التي طالت الصف الأول إلى أزمة مستمرة في هيكل القيادة.
لكن الاختبار الحقيقي لهذه التعيينات لن يكون في أسماء المسؤولين الجدد فقط، بل في قدرتهم على إعادة بناء منظومة القيادة والسيطرة، والحفاظ على التنسيق بين الجيش والحرس الثوري، والتعامل مع أي مواجهة عسكرية جديدة قد تفرض نفسها على إيران.
وبينما تحاول طهران إظهار قدرتها على استعادة توازنها بسرعة، فإن وصول قيادات جديدة إلى مواقع حساسة بعد مقتل عدد من أسلافهم يسلط الضوء في المقابل على حجم التغيير الذي فرضته الضربات الأخيرة على المؤسسة العسكرية الإيرانية، وعلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة رسم واسعة لطريقة إدارة إيران لملفات الحرب والأمن والتفاوض.










