تطرق وزير الخارجية الإيراني الأسبق ورئيس مركز “باياب” للأبحاث، محمد جواد ظريف، في أحدث مقالاته التحليلية، إلى قراءة متعمقة في الأطر المقترحة للمفاوضات الجارية بين واشنن وطهران.
وقد سلط ظريف الضوء على الفرص الاستراتيجية الكبرى التي يعتقد أنها أتيحت لطهران عقب التوقيع الرسمي بين رئيسي البلدين على مذكرة التفاهم في السابع عشر من شهر يونيو من عام 2026.
ويرى الدبلوماسي الإيراني المخضرم أن هذا الاتفاق المؤقت قد فتح أفقا واسعا أمام دبلوماسية إيرانية نشطة قادرة على تحقيق نتائج ملموسة، شريطة حسن استثمار هذه المعطيات في أسرع وقت ممكن.
وشدد ظريف في هذا السياق على أن “فترة الستين يوما المتوقعة تمثل النافذة الزمنية الأفضل لاستثمار هذه القدرات”، داعيا المفاوضين الإيرانيين إلى تولي زمام المبادرة عبر طرح مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد لضمان حماية المصالح الوطنية العليا.
الفرصة الأولى: صمود الشعب وإفشال رهانات الخصوم
تتمثل الركيزة الأولى وأهم الفرص المتاحة أمام إيران، وفقا لرؤية ظريف، في الحضور الفاعل للشعب الإيراني، وقدرة إيران على الصمود والمقاومة، فضلا عن جاهزية البلاد العسكرية لإلحاق أضرار جسيمة بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما الإقليميين.
وأشار وزير الخارجية الأسبق إلى أن كافة التوقعات والتقديرات التي روج لها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إيران قد تهاوت وسقطت تماما خلال أقل من أسبوع واحد.
ولفت ظريف إلى أن هذا الانهيار في رهان الأعداء حدث في وقت كانت فيه إيران تواجه ضربة قاسية تمثلت في اغتيال قائدها وقادتها العسكريين البارزين، إلا أن التماسك الداخلي أثبت عقم تلك الرهانات التي راهنت على اندلاع تمرد شعبي واسع أو تفكك إقليمي للدولة الإيرانية.
الفرصة الثانية، التباين بين أهداف الحلفاء والتمييز بين التوافق والتطابق
وفي قراءته للفرصة الثانية، يرى ظريف أنها تكمن في الإدراك الدقيق للفرق الجوهري بين توافق أهداف دول المنطقة مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية وبين تطابقها الكامل.
وكتب ظريف مؤكدا أن “توجه أقرب حلفاء إسرائيل إلى إيران يعبر بوضوح عن فعالية هذه الورقة، التي ينبغي الاستفادة منها قبل أن تتعرض للاستنزاف”.
وأوضح أن الحروب والتوترات الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن أهداف الأطراف الإقليمية لا تتطابق كليا مع الأجندات الإسرائيلية والأمريكية، بل إن المصالح الأمريكية ذاتها لا تتطابق بشكل مطلق مع أهداف نظام الاحتلال. واستذكر ظريف الفترة الفاصلة بين حرب الـ 12 يوما وحرب الـ 40 يوما، محذرا من استغلال نتنياهو لتداعيات أزمات يناير 2026 لخلق انطباع مظلل بأن الشارع الإيراني سيقف إلى جانب المعتدين. وفي الوقت ذاته، نبه ظريف إلى أن إسرائيل لا تزال تسعى دوما إلى تفكك إيران ككيان حضاري وهويتي مزعج لمشروعها.
وعلى الصعيد الدولي، لفت ظريف إلى أن واشنطن باتت تدرك استحالة أو صعوبة تفكك منظومة الحكم في إيران، وأن محاولات كهذه -إن نجحت نظريا- ستغرق الولايات المتحدة في مستنقع طويل الأمد بغرب آسيا، مما يعوق استراتيجيتها الكبرى في احتواء الصين ومنع تشكل نظام عالمي جديد. كما أدركت دول المنطقة أن دورها المرسوم أمريكيا وإسرائيليا لا يعدو كونها “كبش فداء”.
الفرصة الثالثة: ورقة مضيق هرمز ومخاطر استمرار التعليق
تتمثل الركيزة الثالثة لقدرات إيران في الأهمية الجيوسياسية المطلقة لمضيق هرمز، والإرادة السياسية والعسكرية لطهران في إحداث أزمات متبادلة للاقتصاد العالمي عبر هذا الشريان الحيوي.
وأكد ظريف أنه عندما تجاوز الخصوم عتبة الحرب، أثبتت إيران قدرتها الفعلية على تنفيذ تهديداتها القديمة، مبينا بمعادلة واضحة: “مضيق هرمز إما أن يكون لإيران أيضا أو لا يكون لأحد”.
إلا أن ظريف حذر في المقابل من أن هذه الأوراق ليست أبدية؛ فالإبقاء على المضيق مغلقا لفترة طويلة قد يوحد العالم ضد إيران (بما في ذلك الصين) ويدفع الأطراف الأخرى لإيجاد ممرات بديلة تفقد المضيق قيمته الاستراتيجية. واختتم بالتأكيد على أن الخيار الأقل تكلفة والأكثر عقلانية هو الاستفادة الحكيمة والسريعة من هذه المرحلة التاريخية لاستعادة إيران دورها كحلقة وصل عالمية بالاعتماد على طاقات شعبها وعراقة حضارتها.








