الرئيس التونسي يعلن تحركًا حازمًا لحماية استقرار الدولة، محذرًا من استغلال أزمات الخدمات والعراقيل الإدارية والمشكلات البيئية لإثارة الاحتقان الشعبي وفتح الطريق أمام محاولات زعزعة البلاد
تونس – المنشر_الاخباري
صعّد الرئيس التونسي قيس سعيّد لهجته تجاه ما وصفها بـ«شبكات الفوضى»، متعهدًا بتفكيكها والتصدي لما يعتبره محاولات منظمة لاستغلال الأزمات الاجتماعية والخدمية من أجل ضرب استقرار الدولة وإثارة التوتر داخل المجتمع.
وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء الحكومة، شدد سعيّد على أن الدولة لن تسمح بتحويل المشكلات اليومية التي يواجهها المواطنون إلى أدوات سياسية تستغلها جهات تسعى إلى تأجيج الاحتقان وإرباك مؤسسات الدولة.
ويرى سعيّد أن بعض الأزمات، بما في ذلك اضطرابات الخدمات الأساسية والتعقيدات الإدارية والمشكلات البيئية، يمكن أن تتحول إلى نقاط ضغط تستغلها أطراف سياسية لإضعاف مؤسسات الدولة وإقناع الشارع بأن السلطات عاجزة عن إدارة شؤون البلاد.
وفي هذا السياق، ركز الرئيس التونسي على أهمية رفع مستوى وعي المواطنين بما وصفه بمحاولات توظيف الأزمات وتضخيمها، مؤكدًا أن إدراك الشعب لما يجري يمثل عنصرًا أساسيًا في إحباط أي مخططات تستهدف الاستقرار الوطني.
وتأتي تصريحات سعيّد في إطار نهج سياسي يعتمد بصورة متزايدة على مواجهة ما يصفه بشبكات مرتبطة بالفساد والفوضى والتغلغل داخل مؤسسات الدولة، في وقت تواصل فيه السلطات التونسية إجراءاتها ضد شخصيات وكيانات تعتبرها جزءًا من منظومة تهدد الدولة أو تعرقل عمل مؤسساتها.
ويحظى ملف جماعة الإخوان المسلمين، وعلى رأسها حركة النهضة، بحضور بارز في الخطاب السياسي للرئاسة التونسية، إذ يحمّل سعيّد خصومه السياسيين مسؤولية جزء من الأزمات التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية، ويرى أن بعض القوى تحاول استعادة نفوذها عبر استثمار المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
كما سلط الرئيس التونسي الضوء على ملف المجمع الكيميائي في قابس، الذي يمثل منذ سنوات قضية بيئية واجتماعية حساسة في جنوب البلاد، في ظل مطالب متكررة بمعالجة التلوث وتحسين الظروف الصحية والبيئية للسكان.
ويأتي إدراج الملف البيئي ضمن حديث سعيّد عن «شبكات الفوضى» في سياق أوسع يرى فيه الرئيس أن قضايا حقيقية يعاني منها المواطنون يمكن أن تُستغل سياسيًا لإشعال الاحتجاجات وتوسيع حالة عدم الثقة في مؤسسات الدولة.
وأكد سعيّد أن مواجهة هذه التحديات لن تكون عبر تجاهل المشكلات، وإنما من خلال معالجة أسبابها ومحاسبة من يثبت تورطه في تعطيل المرافق أو استغلال حاجات المواطنين لتحقيق أهداف سياسية.
ويحاول الرئيس التونسي، من خلال هذا الخطاب، الجمع بين تأكيد قدرة الدولة على معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية وبين توجيه رسالة تحذير إلى القوى التي يتهمها بالسعي إلى زعزعة الاستقرار.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل استمرار التجاذبات السياسية في تونس منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيّد في يوليو 2021، والتي أعادت تشكيل المشهد السياسي وأدت إلى تركيز واسع للسلطات في مؤسسة الرئاسة.
ومنذ ذلك الحين، دخلت تونس مرحلة سياسية مختلفة اتسمت بتراجع نفوذ الأحزاب التقليدية، وفي مقدمتها حركة النهضة، وتوسيع صلاحيات الرئاسة، إلى جانب ملاحقات قضائية طالت عددًا من السياسيين والمعارضين.
ويرى أنصار سعيّد أن الإجراءات التي اتخذها كانت ضرورية لإنهاء ما يعتبرونه سنوات من الفوضى السياسية والفساد وضعف مؤسسات الدولة، بينما تنتقده قوى معارضة ومنظمات حقوقية وتتهمه بتقويض التعددية السياسية وتضييق المجال أمام المعارضة.
وفي المقابل، يصر سعيّد على أن مشروعه السياسي يستهدف إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، وإنهاء ما يصفه بمنظومة الفساد والمحاصصة، ومنع القوى السياسية من استخدام مؤسسات الدولة لتحقيق مصالح حزبية.
وفي حديثه عن محاولات زعزعة الاستقرار، يركز الرئيس التونسي على ما يعتبره استخدامًا متعمدًا للأزمات اليومية لتأليب المواطنين. وتشمل هذه الأزمات انقطاع بعض الخدمات أو اضطرابها، والبيروقراطية، وتأخر معالجة الملفات الإدارية، إضافة إلى القضايا البيئية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
ويعتقد سعيّد أن التعامل مع هذه الملفات يتطلب تدخلًا حكوميًا سريعًا وشفافًا، حتى لا تتحول المشكلات الخدمية إلى وقود للاحتجاجات أو إلى فرصة أمام خصوم الدولة لتوسيع نفوذهم.
وتحمل رسالته كذلك بُعدًا أمنيًا وسياسيًا، إذ يربط بين حماية الاستقرار وبين مواجهة شبكات يعتقد أنها تعمل على استغلال نقاط الضعف داخل المجتمع التونسي.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذا النهج سيظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على تقديم حلول ملموسة للأزمات التي يعيشها المواطنون، لأن معالجة الخطاب السياسي وحدها لن تكون كافية لاحتواء الغضب الشعبي إذا استمرت المشكلات الاقتصادية والخدمية والبيئية.
ويضع ملف قابس تحديدًا السلطات أمام اختبار صعب، فالمشكلة البيئية هناك ترتبط بمطالب محلية قديمة تتعلق بالتلوث وتأثير النشاط الصناعي على السكان والبيئة. وبالتالي فإن أي معالجة حقيقية للملف ستكون مطالبة بالجمع بين حماية البيئة والحفاظ على النشاط الاقتصادي وفرص العمل.
وتعكس تصريحات سعيّد في مجملها رغبة واضحة في التأكيد أن الدولة التونسية لن تسمح بتحويل الأزمات الاجتماعية إلى وسيلة لإعادة إنتاج نفوذ القوى التي يرى أنها كانت جزءًا من أسباب عدم الاستقرار السياسي.
وبينما يعلن الرئيس عزمه على تفكيك «شبكات الفوضى»، يبقى التحدي الأكبر أمام السلطات هو إثبات هذه الاتهامات عبر إجراءات قانونية واضحة، بالتوازي مع معالجة الأسباب الحقيقية للتوتر الاجتماعي، حتى لا تتحول المواجهة السياسية إلى صراع مفتوح يفاقم الانقسامات داخل البلاد.
وفي المحصلة، يبعث سعيّد برسالة مفادها أن الدولة ستواجه أي محاولة لاستغلال الأزمات بهدف زعزعة الاستقرار، مع التعويل على وعي المواطنين لمنع تحويل قضايا الخدمات والإدارة والبيئة إلى أدوات لصناعة الفوضى السياسية.









