تصعيد متزايد ضد السفن يضع باب المندب أمام اختبار جديد ويدفع واشنطن لدراسة تعزيز حضورها العسكري على الساحل الإفريقي
واشنطن – المنشر_الاخباري
تتجه الأنظار مجدداً إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب مع تصاعد تهديدات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران ضد حركة الملاحة، وسط تقديرات بأن استمرار الهجمات قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية في منطقة القرن الإفريقي والبحث عن نقاط ارتكاز جديدة لحماية واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، فإن الحوثيين يهددون بإغلاق مضيق باب المندب، في وقت تواجه فيه الملاحة الدولية اضطرابات حادة بسبب القيود المفروضة على المرور في مضيق هرمز، ما يفتح الباب أمام احتمال اتساع نطاق الضغط على طرق التجارة والطاقة في المنطقة.
ويكتسب باب المندب أهمية استثنائية بسبب موقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل مع قناة السويس أحد أهم المسارات البحرية التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية. وأي تعطيل واسع لحركة السفن عبره يمكن أن يفرض على الناقلات والسفن التجارية اتخاذ طرق أطول وأكثر كلفة حول القارة الإفريقية.
هجمات متزايدة وتهديد بإغلاق المضيق
وأشار التقرير إلى أن الحوثيين صعّدوا خلال الفترة الأخيرة تهديداتهم ضد السفن التي تعبر البحر الأحمر، مع ورود تقارير عن استهداف سفن مرتبطة بالسعودية، وغرق سفينة شحن تجارية هندية، إضافة إلى تعرض سفينة شحن مصرية لهجوم في 13 أغسطس، أسفر، وفق التقرير، عن مقتل أربعة من أفراد طاقمها.
وتثير هذه التطورات مخاوف من انتقال الحوثيين من تنفيذ هجمات متفرقة إلى محاولة فرض واقع جديد على الملاحة الدولية، خصوصاً إذا تمكنوا من تهديد السفن بصورة مستمرة عند مدخل البحر الأحمر.
ويرى محللون أن تزامن هذه التهديدات مع التوتر المتصاعد في مضيق هرمز يزيد خطورة الوضع، لأن استمرار الاضطرابات في الممرين البحريين قد يفرض ضغوطاً كبيرة على حركة الطاقة والتجارة العالمية في آن واحد.
واشنطن تبحث عن خيارات جديدة
أمام هذا السيناريو، قد تضطر الولايات المتحدة إلى توسيع خياراتها العسكرية في منطقة البحر الأحمر، بدلاً من الاعتماد على قواعدها الحالية في الشرق الإفريقي.
وتمتلك واشنطن قاعدة «كامب ليمونيه» في جيبوتي، وهي منشأة رئيسية للعمليات الأميركية في المنطقة، لكن خبراء يرون أن الاعتماد على نقطة واحدة قد يمثل نقطة ضعف إذا تصاعدت التهديدات واتسعت رقعة العمليات.
كما أن الوجود العسكري والتجاري الصيني المتنامي في جيبوتي يزيد تعقيدات الحسابات الأميركية، ويدفع بعض المسؤولين والخبراء إلى البحث عن بدائل أكثر مرونة على الساحل الإفريقي.
ومن بين أبرز الخيارات المطروحة أرض الصومال، التي تتمتع بموقع استراتيجي مقابل خليج عدن وتمتلك ميناء بربرة، إلى جانب منشآت يمكن أن توفر للولايات المتحدة قدرة أكبر على مراقبة خطوط الملاحة والتحرك السريع عند وقوع أي هجمات.
أرض الصومال تدخل الحسابات الأميركية
يرى عدد من المحللين أن التهديد الحوثي قد يمنح أرض الصومال أهمية أكبر في الاستراتيجية الأميركية، خصوصاً بسبب قربها من باب المندب وموقعها المطل على أحد أهم مسارات الملاحة الدولية.
وقال اللواء المتقاعد كين إكمان إن تصعيد الحوثيين يمكن أن يجبر واشنطن على تبني استراتيجية مختلفة في إفريقيا، مشيراً إلى أن الجماعة تعمل على فتح جبهة ثانية في الصراع، وهو ما قد يؤدي إلى تشتيت القوات الأميركية واستنزاف قدراتها.
وأضاف أن الحوثيين يختبرون قدرة الولايات المتحدة العسكرية، وقد يقدمون على تصعيد أكبر عندما تتراجع قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط.
وبحسب هذا التقييم، فإن تعزيز الوجود الأميركي على ساحل القرن الإفريقي قد يصبح خياراً استراتيجياً وليس مجرد إجراء مؤقت، خصوصاً إذا تحولت حماية باب المندب إلى مهمة مستمرة.
بربرة.. الموقع الذي يثير اهتمام واشنطن
ويُعد ميناء بربرة أحد أهم عناصر القوة الجغرافية لأرض الصومال، إذ يقع على خليج عدن في موقع يسمح بمراقبة حركة السفن في المنطقة.
وبحسب التقرير، تعرض أرض الصومال على الولايات المتحدة استخدام مدرج طويل ومنشآت جوية وميناء عميق، وهي عناصر يمكن أن تمنح القوات الأميركية خيارات إضافية في مجال الاستطلاع والإمداد والاستجابة السريعة.
وتؤكد سلطات أرض الصومال استعدادها لتعزيز التعاون مع واشنطن، وتقول إن موقعها واستقرارها واستعدادها للعمل مع الولايات المتحدة يجعلها شريكاً مناسباً في ملف أمن البحر الأحمر.
لكن تحويل هذه العلاقة إلى اتفاق عسكري كبير سيكون خطوة حساسة، نظراً إلى أن أرض الصومال لا تحظى باعتراف دولي كدولة مستقلة، بينما تتمسك الحكومة الصومالية بوحدة أراضي البلاد وترفض الاعتراف بانفصال الإقليم.
واشنطن بين مقديشو وهرجيسا
رغم تزايد الاتصالات الأميركية مع أرض الصومال، لا تزال واشنطن رسمياً تدعم التعامل مع الحكومة الصومالية.
وأكدت وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة تعمل مع الحكومة الصومالية وشركائها الدوليين لمواجهة التهديدات الإرهابية عندما يكون ذلك ضرورياً لحماية الأمن القومي الأميركي.
ويحذر محللون من أن الاعتراف الرسمي باستقلال أرض الصومال قد يؤدي إلى أزمة كبيرة مع مقديشو، ويعقد العلاقات الأميركية في منطقة تعاني أصلاً من صراعات سياسية وأمنية متشابكة.
لكن ذلك لا يمنع واشنطن من دراسة ترتيبات عسكرية أو لوجستية محدودة مع أرض الصومال دون الوصول بالضرورة إلى خطوة الاعتراف الرسمي.
ويرى محللون أن وجود قاعدة أو منشأة أميركية إضافية يمكن أن يوفر لواشنطن خياراً احتياطياً في حال تعرضت عملياتها في جيبوتي للقيود أو أصبحت غير كافية لمواجهة التهديدات الجديدة.
تحركات أميركية لافتة
وفي مؤشر على تنامي الاهتمام الأميركي بأرض الصومال، زار قائد القيادة الأميركية في إفريقيا «أفريكوم»، الجنرال داغفين أندرسون، مدينة بربرة خلال الأسبوع الماضي، حيث بحث الوضع الأمني واطلع على قدرات الميناء التشغيلية.
كما استقبلت القيادة الأميركية في إفريقيا وفداً من أرض الصومال برئاسة وزير الدفاع في مقرها بمدينة شتوتغارت الألمانية في الثاني من أغسطس، حيث كانت أمن البحر الأحمر من بين الملفات التي جرى بحثها، وفق التقرير.
ورغم هذه التحركات، لم تقدم القيادة الأميركية في إفريقيا ووزارة الحرب تفاصيل إضافية بشأن طبيعة المحادثات أو أي ترتيبات مستقبلية محتملة.
تحالف بحري لمواجهة الحوثيين
ولا تقتصر التحركات على الولايات المتحدة، إذ شكلت السعودية و13 دولة أخرى تحالفاً بحرياً جديداً لمواجهة تهديد الحوثيين وحماية حركة الملاحة في البحر الأحمر.
ورغم عدم مشاركة الولايات المتحدة بصورة معلنة في هذا التحالف، أكدت واشنطن وقوفها إلى جانب السعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، مشيرة إلى استمرار التنسيق مع حلفائها السعوديين بشأن أمن المملكة والمنطقة.
ويكشف تشكيل هذا التحالف عن تنامي القلق الإقليمي من قدرة الحوثيين على التأثير في حركة السفن، خصوصاً في ظل استمرار التوترات العسكرية المرتبطة بالحرب مع إيران.
الخطر الأكبر.. جبهتان بحريتان في وقت واحد
ويتمثل السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لواشنطن في تحول البحر الأحمر ومضيق هرمز إلى جبهتين متزامنتين ضد الملاحة.
فإذا استمرت القيود على حركة السفن في هرمز، بالتزامن مع تصعيد حوثي في باب المندب، فقد تواجه شركات الشحن والطاقة أزمة مزدوجة تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتغيير مسارات السفن.
كما أن اضطرار السفن إلى الابتعاد عن البحر الأحمر والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح سيزيد مدة الرحلات واستهلاك الوقود، وقد ينعكس على أسعار السلع والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
عسكرياً، سيعني هذا السيناريو حاجة الولايات المتحدة إلى توزيع قواتها بين الخليج والبحر الأحمر وخليج عدن، الأمر الذي قد يدفعها إلى زيادة الاعتماد على القواعد والشركاء المحليين.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تتحول أرض الصومال من مجرد طرف سياسي غير معترف به دولياً إلى ورقة استراتيجية مهمة في الحسابات الأميركية، خصوصاً إذا أثبتت قدرتها على توفير بنية تحتية عسكرية ولوجستية موثوقة.
هل تتغير الاستراتيجية الأميركية؟
حتى الآن، لا توجد إشارة رسمية إلى أن واشنطن قررت الاعتراف باستقلال أرض الصومال أو نقل جزء كبير من وجودها العسكري إليها.
لكن تصاعد التهديدات الحوثية قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم انتشارها في المنطقة، خصوصاً إذا أصبح باب المندب هدفاً دائماً للهجمات.
وقد يكون الخيار الأكثر ترجيحاً في المرحلة الأولى هو توسيع التعاون الأمني واللوجستي مع أرض الصومال، مع الإبقاء على القاعدة الأميركية في جيبوتي، بدلاً من التخلي عن الشراكة مع مقديشو.
وفي حال تحولت التهديدات إلى عمليات واسعة ومستمرة ضد السفن، فقد يصبح وجود نقطة عسكرية إضافية على الساحل الإفريقي أكثر أهمية بالنسبة إلى واشنطن.
وبذلك، فإن معركة البحر الأحمر قد تتجاوز حدود حماية السفن لتصبح عاملاً مؤثراً في إعادة رسم الخريطة العسكرية الأميركية في القرن الإفريقي، بينما يبقى باب المندب ومضيق هرمز في قلب صراع أوسع على حرية الملاحة والطاقة والنفوذ الإقليمي.










