دمشق – المنشر_الاخباري
في إعلان يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الإداري والعسكري، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، اكتمال عملية دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة لـ«قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستنتقل من ترتيبات السيطرة والنفوذ إلى العمل السياسي من أجل تثبيت حقوق الأكراد في الدستور السوري.
وجاء إعلان عبدي من مدينة القامشلي، خلال فعالية بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس المدينة، في لحظة تبدو فيها العلاقة بين دمشق و«قسد» أمام اختبار حاسم: هل يتحول الاتفاق إلى اندماج فعلي ومستدام، أم تبقى الملفات الحساسة عالقة تحت السطح؟
نهاية مرحلة وبداية أخرى
عبدي وصف عملية الدمج بأنها اكتملت، مشيراً إلى أن «قسد» قررت الانضمام إلى مسار بناء سوريا الجديدة وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة الوطنية. وبحسب تقارير متقاطعة، شملت العملية الجوانب العسكرية والأمنية والإدارية، مع انتقال المؤسسات التي كانت تعمل ضمن مناطق الإدارة الذاتية إلى إطار الدولة السورية.
لكن اللافت في تصريحات عبدي أن الرجل لم يقدم الاندماج باعتباره نهاية للمشروع السياسي الكردي، بل بوصفه بداية لمعركة مختلفة. فقد أكد أن التركيز المقبل سيكون على تثبيت حقوق الأكراد ووجودهم الدستوري، ما يعني أن الملف انتقل من ساحات النفوذ العسكري إلى طاولة السياسة والتشريع.
وهنا تكمن أهمية التطور؛ فدمشق و«قسد» لا تتعاملان فقط مع مسألة دمج قوات ومؤسسات، بل أمامهما سؤال أكبر يتعلق بشكل الدولة السورية الجديدة وحدود الحقوق السياسية والثقافية للمكونات المختلفة.
الاندماج لا يعني ذوبان الهوية
من أبرز الرسائل التي حملتها تصريحات عبدي التأكيد على أن دخول مؤسسات «قسد» في بنية الدولة لا يعني التخلي عن الهوية الكردية أو الحقوق الثقافية.
وأشار إلى ضرورة أن تكون الحقوق الكردية جزءاً ثابتاً من مستقبل سوريا، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الدستور المقبل باعتباره الإطار الذي سيحدد شكل العلاقة بين الدولة المركزية والمكونات القومية والثقافية المختلفة.
وتزداد حساسية هذه القضية في شمال شرقي سوريا، حيث يعيش الأكراد إلى جانب العرب والسريان والآشوريين والأرمن وغيرهم، في منطقة تحمل إرثاً ثقيلاً من الصراعات والتوترات الديموغرافية والسياسية.
ويرى عبدي أن الاعتراف بهذا التنوع يمكن أن يكون مدخلاً إلى بناء دولة أكثر استقراراً، بدلاً من إعادة إنتاج سياسات التهميش التي غذت النزاعات السابقة.
دمشق أمام اختبار سياسي صعب
بالنسبة إلى الحكومة السورية، فإن اكتمال الاندماج يمثل خطوة باتجاه توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء تعدد مراكز القرار الذي نشأ خلال سنوات الحرب.
لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد الإعلان، عندما تنتقل التفاهمات من البيانات والتصريحات إلى تفاصيل الإدارة اليومية، والقيادة العسكرية، والأمن المحلي، والتمثيل السياسي، وحقوق المكونات.
كما أن مسألة دمج المقاتلين والهياكل الأمنية تظل من أكثر الملفات حساسية، لأن إعادة تشكيل المؤسسات العسكرية لا تتعلق فقط بالهيكل التنظيمي، وإنما أيضاً بسلسلة القيادة والولاء وآليات اتخاذ القرار.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الجانبين قطعا خطوات تنفيذية واسعة، فيما تحدث مسؤولون سوريون عن الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ، مع معالجة ملفات بقيت عالقة خلال الأشهر الماضية.
القامشلي تختبر مستقبل سوريا
اختيار القامشلي لإعلان هذه المرحلة ليس تفصيلاً عابراً. فالمدينة تمثل واحدة من أكثر المناطق السورية تنوعاً من الناحية القومية والثقافية، ولذلك فإن مستقبلها يحمل دلالة خاصة على مستقبل المنطقة بأكملها.
إذا نجحت صيغة جديدة تضمن وحدة الدولة مع احترام التنوع المحلي، فقد تتحول القامشلي إلى نموذج للتعايش بدلاً من أن تكون ساحة لتنافس القوى والنفوذ.
أما إذا بقيت الملفات المتعلقة بالهوية والحقوق والعودة والملكية دون حلول واضحة، فقد تظهر توترات جديدة تعرقل مسار الاندماج، حتى وإن اكتملت الخطوات الرسمية على الورق.
من السلاح إلى الدستور
المعادلة الجديدة التي يطرحها إعلان عبدي يمكن اختصارها في انتقال «قسد» من المعركة العسكرية إلى المعركة السياسية.
فبعد سنوات من الإدارة المحلية والقوة العسكرية، بات الرهان الآن على قدرة الأكراد على تثبيت مطالبهم داخل مؤسسات الدولة والدستور، وعلى قدرة دمشق في المقابل على بناء صيغة وطنية تستوعب هذه المطالب دون أن تتحول إلى مصدر جديد للانقسام.
وبذلك، فإن إعلان اكتمال الاندماج لا يغلق الملف الكردي في سوريا، بل يفتح فصلاً أكثر تعقيداً: كيف تُبنى دولة سورية موحدة من دون أن يشعر أي مكوّن بأنه خسر هويته أو حقوقه؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير ما إذا كان اتفاق دمشق و«قسد» مجرد تسوية مؤقتة، أم نقطة تحول حقيقية في إعادة بناء الدولة السورية.










