تواجه خطة الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة تحديات سياسية وأمنية وإقليمية معقدة، في ظل تباين مواقف الفصائل المسلحة من المشروع الحكومي الذي يستهدف إنهاء مظاهر التسلح خارج المؤسسات الرسمية بحلول سبتمبر 2026.
وبينما أبدت بعض الفصائل استعدادا مبدئيا للتعامل مع الخطة، ترفض أخرى التخلي عن أسلحتها، معتبرة أن استمرار التهديدات الإقليمية والوجود العسكري الأمريكي يبرران الاحتفاظ بقدراتها العسكرية.
وتزداد صعوبة تنفيذ الخطة بسبب تداخل الأدوار بين الفصائل المسلحة والمؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية، إضافة إلى ارتباط بعض القوى المسلحة بأجندات إقليمية، وفي مقدمتها إيران.
ولذلك، لا تبدو قضية حصر السلاح ملفا أمنيا داخليا فقط، بل أصبحت جزءا من شبكة أوسع من التوازنات بين بغداد وواشنطن وطهران، فضلا عن تأثير التطورات في سوريا والمنطقة.
موعد سبتمبر يختبر قدرة الحكومة
تبنت الحكومة العراقية خطابا أكثر وضوحا بشأن احتكار الدولة للسلاح، وربطت تنفيذ المشروع بموعد نهائي هو نهاية سبتمبر 2026، بالتزامن مع الموعد المحدد لانتهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش.
ويستند هذا التوجه إلى المادة التاسعة من الدستور العراقي التي تؤكد حصر تشكيل القوات المسلحة وحمل السلاح بيد الدولة، إلى جانب قانون هيئة الحشد الشعبي الذي ينظم وضع قوات الحشد وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية.
وترى الحكومة أن انتهاء مهمة التحالف يمكن أن يسحب إحدى الحجج الرئيسية التي تستخدمها الفصائل المسلحة لتبرير الاحتفاظ بترساناتها، لكن هذا الرهان يصطدم بمواقف تعتبر أن التهديدات الأمنية لم تنته بمجرد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف.
كما لا تزال آليات تنفيذ الخطة غير واضحة بصورة كاملة، خصوصا فيما يتعلق بكيفية جمع الأسلحة، والتعامل مع الفصائل التي ترفض التسليم، ومصير آلاف أو مئات الآلاف من العناصر المنضوين في تشكيلات مسلحة، إضافة إلى كيفية الفصل بين المؤسسات الرسمية وبعض الفصائل ذات الارتباطات السياسية والعسكرية.
فصائل بين القبول والرفض
لا تتبنى الفصائل المسلحة في العراق موقفا موحدا من مشروع حصر السلاح. فهناك قوى تبدو أكثر استعدادا للاندماج في المؤسسات الرسمية أو التعامل مع المشروع، في حين تتمسك فصائل أخرى بالاحتفاظ بقدراتها العسكرية وترفض أي ضغوط داخلية أو خارجية لنزع سلاحها.
ويبرز في هذا السياق موقف فصائل مثل سرايا السلام، وعصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي، التي أبدت، وفق الطرح الوارد في التقرير، مواقف أكثر مرونة تجاه فكرة تنظيم السلاح، وإن كانت دوافع كل طرف تختلف عن الآخر.
في المقابل، تتبنى فصائل أخرى موقفا أكثر تشددا، ومن بينها سرايا أولياء الدم، وكتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وغيرها من الجماعات التي تربط مسألة السلاح بمفهوم “المقاومة” ومواجهة الوجود الأمريكي في المنطقة.
ويعكس هذا التباين طبيعة المشهد داخل الحشد الشعبي، إذ لا يمكن التعامل مع جميع الفصائل باعتبارها كتلة سياسية وعسكرية واحدة. فبعضها أكثر اندماجا في النظام السياسي العراقي، بينما تحتفظ فصائل أخرى بعلاقات وثيقة مع إيران، وتعتبر أن التخلي عن السلاح في الظروف الحالية يمثل مخاطرة استراتيجية.
النفوذ الإيراني والبعد الإقليمي
يمثل النفوذ الإيراني أحد أبرز العوامل التي تجعل ملف السلاح أكثر تعقيدا. فالفصائل القريبة من طهران لا تنظر إلى السلاح باعتباره مجرد وسيلة لمواجهة تهديد داخلي، وإنما تعتبره جزءا من منظومة إقليمية أوسع.
وترتبط حسابات هذه الفصائل بالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، كما تتأثر بالتطورات في سوريا ولبنان والحدود العراقية السورية. ولذلك، فإن أي اتفاق داخلي على حصر السلاح قد يتأثر بسرعة بالتغيرات الإقليمية.
وتخشى بعض الفصائل من أن يؤدي التخلي عن قدراتها العسكرية إلى إضعاف قدرتها على الرد في حال اندلاع مواجهة إقليمية جديدة، خصوصا في ظل استمرار التوتر بين واشنطن وطهران.
ومن هنا، فإن انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني بالضرورة، من وجهة نظر هذه الجماعات، انتهاء أسباب الاحتفاظ بالسلاح، إذ يمكن أن تستمر التهديدات عبر الحدود أو من خلال هجمات تستهدف المصالح العراقية أو الإقليمية.
أسلحة كثيرة خارج السيطرة الرسمية
تزداد صعوبة المشروع بسبب عدم وجود تقدير موحد لحجم الأسلحة المنتشرة خارج السيطرة الرسمية. وتشير تقديرات أمنية متداولة إلى وجود ملايين قطع السلاح في العراق، بينها أسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أرقام أكبر.
ولا تكمن المشكلة في حجم الترسانة فقط، بل في طبيعة انتشارها. فالفصائل المسلحة تمتلك بنية تنظيمية ومخازن ومقرات وشبكات لوجستية، ما يجعل عملية جمع الأسلحة أكثر تعقيدا من مجرد إصدار قرار إداري.
كما أن دمج العناصر المسلحة داخل المؤسسات الأمنية لا يضمن بالضرورة إنهاء الارتباطات السياسية أو العقائدية. فقد ينتقل بعض الأفراد إلى الأجهزة الرسمية مع احتفاظهم بولاءات أو علاقات تنظيمية سابقة، وهو ما قد يجعل عملية الدمج بحاجة إلى ترتيبات طويلة الأمد تتجاوز مسألة السلاح نفسه.
مخاطر “نزع السلاح الشكلي”
من أبرز السيناريوهات التي تواجه الحكومة احتمال تنفيذ عملية تسليم جزئية أو شكلية للأسلحة. وقد يعني ذلك التخلي عن بعض المعدات الثقيلة أو إخلاء مقرات ظاهرة للعيان، مع الاحتفاظ بأسلحة أكثر سهولة في الإخفاء والنقل.
وتشمل هذه الأسلحة الصواريخ والطائرات المسيرة ووسائل الاستطلاع والأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وهي معدات يمكن استخدامها في عمليات محدودة أو هجمات عبر الحدود دون الحاجة إلى امتلاك تشكيلات عسكرية كبيرة ومعلنة.
وقد تلجأ بعض الجماعات، في حال تعرضت لضغوط كبيرة، إلى إعادة تنظيم نفسها بعيدا عن الهياكل الرسمية، مع الإبقاء على شبكاتها العسكرية تحت عناوين جديدة. وفي هذه الحالة، قد يتحول المشروع من محاولة لإنهاء وجود السلاح خارج الدولة إلى مجرد إعادة ترتيب شكله التنظيمي.
المواجهة العسكرية خيار محفوف بالمخاطر
إذا رفضت الفصائل الأكثر تشددا الانصياع لخطة الحكومة، فقد تجد بغداد نفسها أمام خيارات صعبة. فاللجوء إلى القوة لفرض القرار يمكن أن يؤدي إلى اشتباكات بين القوات الحكومية والفصائل، بما يهدد الاستقرار السياسي والأمني.
كما أن أي مواجهة واسعة قد تؤثر في تماسك الحكومة نفسها، خصوصا أن الفصائل المسلحة تمتلك نفوذا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وقد تتمكن من استخدام أدواتها داخل المؤسسات السياسية للضغط على السلطة التنفيذية.
وفي المقابل، فإن عدم تنفيذ القرار قد يضعف هيبة الدولة ويعطي انطباعا بأن الحكومة غير قادرة على تطبيق قراراتها على جميع القوى المسلحة.
وتزداد حساسية الموقف في ظل الضغوط الأمريكية، التي ترتبط بدرجة من التعاون مع بغداد بقدرتها على الحد من الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية ضد المصالح الأمريكية أو دول المنطقة.
سوريا تضيف بعدا جديدا للأزمة
لا يمكن فصل حسابات الفصائل العراقية عن التطورات في سوريا. فالحدود بين البلدين تمثل مسارا مهما لحركة الأفراد والمعدات، كما أن التغيرات السياسية والأمنية في سوريا أعادت ترتيب الحسابات لدى أطراف عراقية وإقليمية.
وترى بعض الفصائل أن أي فراغ أمني محتمل على الحدود يمكن أن يعيد إنتاج تهديدات سبق أن واجهها العراق، فيما تخشى أطراف أخرى من تحول الأراضي السورية إلى ساحة جديدة للمواجهة بين القوى الإقليمية.
وبالتالي، فإن استمرار التوتر على الحدود يمكن أن يمنح الفصائل الرافضة لنزع السلاح حججا إضافية للتمسك بقدراتها العسكرية.
هل ينجح رهان الحكومة؟
يبدو أن مشروع حصر السلاح في العراق أمام اختبار بالغ الصعوبة. فنجاحه يتطلب أكثر من تحديد موعد نهائي، إذ يحتاج إلى اتفاق سياسي واسع، وضمانات أمنية، وآليات واضحة لجمع الأسلحة، وخطة للتعامل مع العناصر المسلحة، إلى جانب معالجة التأثيرات الإقليمية.
كما تحتاج الحكومة إلى إقناع الفصائل بأن الدولة قادرة بالفعل على توفير الأمن بعد تقييد قدراتها العسكرية، وأن التخلي عن السلاح لن يجعلها عرضة للاستهداف أو فقدان نفوذها.
وفي ظل استمرار التوتر الأمريكي الإيراني وتشابك الملف العراقي مع أزمات المنطقة، يبدو أن سبتمبر2026 سيكون موعدا لاختبار قدرة الحكومة على الانتقال من الخطاب السياسي إلى التنفيذ الفعلي.
وقد يكون السيناريو الأكثر ترجيحا هو اللجوء إلى التفاوض والتمديد التدريجي بدلا من الدخول في مواجهة شاملة. فالحكومة تحتاج إلى الحفاظ على الاستقرار، بينما تدرك الفصائل أن الصدام المباشر مع الدولة قد يهدد نفوذها السياسي.
وبذلك، لا تبدو معركة حصر السلاح مجرد خلاف حول مستقبل الفصائل المسلحة، وإنما اختبارا أوسع لمفهوم الدولة وسيادتها، ولقدرة النظام السياسي العراقي على تحقيق توازن بين الضغوط الداخلية والمصالح الإقليمية والدولية.










