بكين – المنشر_الاخباري
تكشف التطورات المتسارعة في برنامج الصين للأسلحة فوق الصوتية عن توجه عسكري قد يفرض تحدياً جديداً على منظومة العمليات الجوية الأميركية، مع اهتمام بكين بتطوير مركبات انزلاقية فوق صوتية يمكنها العمل بسرعات تتجاوز 5 ماخ والمناورة خلال التحليق، بما يصعّب اكتشافها واعتراضها.
وتتمثل أهمية هذا النوع من الأسلحة في إمكانية استخدامه ضد الطائرات التي تشكل العمود الفقري للعمليات الجوية الحديثة، مثل طائرات الإنذار المبكر والسيطرة الجوية AWACS، وطائرات التزود بالوقود، ومنصات القيادة والسيطرة والاستطلاع. وتوفر هذه الطائرات للمقاتلات العاملة في مسارح العمليات القدرة على اكتشاف الأهداف من مسافات بعيدة، وتنسيق الهجمات، والبقاء في الجو لفترات أطول، وبالتالي فإن تهديدها يمكن أن يؤثر في قدرة أي قوة جوية على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.
وتأتي هذه التطورات في سياق مسار طويل من الاستثمار الصيني في تقنيات الأسلحة فوق الصوتية. ففي عام 2021، أجرت الصين اختباراً أثار اهتماماً واسعاً في الولايات المتحدة، بعدما حلّقت مركبة فوق صوتية لمسافة كبيرة قبل أن تعود إلى الغلاف الجوي وتتجه نحو هدفها. كما أظهرت تقارير عن الاختبار قدرة المركبة على إطلاق مقذوف أثناء تحليقها، وهو تطور اعتبره محللون تقدماً تقنياً مهماً.
واللافت أن مفهوم السلاح الجديد لا يعتمد فقط على السرعة، وإنما على الجمع بين السرعة العالية والمناورة والمسافة الكبيرة. فالمركبة الانزلاقية فوق الصوتية تنفصل عن الصاروخ الحامل وتواصل التحليق بسرعات هائلة داخل الغلاف الجوي، مع إمكانية تغيير مسارها، الأمر الذي يمكن أن يجعل التنبؤ بمسارها أكثر صعوبة مقارنة ببعض الصواريخ الباليستية التقليدية.
كما أن الصين تمتلك بالفعل خبرة تشغيلية في مجال الصواريخ فوق الصوتية، ومن أبرز الأنظمة المعروفة لديها منظومة DF-17 المزودة بمركبة انزلاقية فوق صوتية، والتي ظهرت علناً خلال العرض العسكري الصيني عام 2019.
وفي حال نجاح بكين في دمج صاروخ جو-جو بعيد المدى مع مركبة فوق صوتية تُطلق من مسافات شاسعة، فإن التأثير المحتمل لن يقتصر على إسقاط طائرة منفردة، بل قد يمتد إلى إجبار طائرات الدعم الأميركية على الابتعاد عن مناطق العمليات. وهذا بدوره قد يقلص مدى المقاتلات، ويحد من قدرتها على البقاء في الجو، ويزيد الحاجة إلى التزود بالوقود، ويعقّد عمليات القيادة والسيطرة.
ويأتي ذلك ضمن استراتيجية صينية أوسع تهدف إلى إبعاد القوات الأميركية عن مناطق الصراع المحتملة في غرب المحيط الهادئ، خصوصاً في حال اندلاع مواجهة حول تايوان. وقد عرضت الصين خلال السنوات الأخيرة مجموعة متزايدة من الصواريخ البعيدة المدى وفوق الصوتية، بما يعكس تركيزاً واضحاً على ضرب الأهداف عالية القيمة وإضعاف شبكات الدعم الأميركية.
ومع ذلك، فإن الحديث عن نسخة عملياتية بعيدة المدى مضادة لطائرات AWACS وطائرات التزود بالوقود تُطلق من مركبة انزلاقية فوق صوتية يحتاج إلى قدر من الحذر؛ فبعض التقارير تتحدث عن مفهوم أو قدرة قيد التطوير، وليس بالضرورة عن نظام عملياتي مثبت بهذه المواصفات. كما أن المدى الفعلي والدقة وقدرة الاستشعار والتوجيه في المراحل النهائية تظل عوامل حاسمة في تقييم مدى خطورة هذه الأسلحة.
لكن الاتجاه العام واضح: الصين تواصل الاستثمار في تقنيات يمكن أن تغير طبيعة الحرب الجوية، ليس فقط عبر تطوير مقاتلات وصواريخ تقليدية، بل عبر استهداف البنية الداعمة للقوة الجوية نفسها. وإذا تحولت هذه التقنيات إلى منظومات عملياتية موثوقة، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في طريقة استخدام طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود والقيادة الجوية في البيئات شديدة التهديد.
وتشير التطورات منذ اختبار عام 2021 إلى أن سباق الأسلحة فوق الصوتية لم يعد يقتصر على امتلاك صاروخ أسرع من الصوت، بل يتجه نحو تطوير منظومات أكثر تعقيداً تجمع بين السرعة، والمناورة، والمدى، والقدرة على حمل أسلحة فرعية، وهو ما قد يجعل حماية منصات الدعم الجوي واحدة من أصعب التحديات في أي صراع مستقبلي بين القوى الكبرى.










