تواصل مرتفعات “علي الطاهر” الاستراتيجية في جنوب لبنان تصدر المشهد الميداني والسياسي، محتلة مكانة بالغة الحساسية في معادلة الصراع الإقليمي بين إسرائيل من جهة، والحرس الثوري الإيراني وحزب الله من جهة أخرى.
ولا تقتصر أهمية هذه التلة الحاكمة على كونها مجرد مرتفع عسكري حصين، بل تمتد لتشكل عقدة ارتكاز محورية في شبكة الردع الإقليمية، والبنية التحتية لحزب الله، والتنافس الجيوسياسي المحتدم على العمق الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
الأهمية الجيوسياسية والعسكرية للموقع
تكتسب تلة علي الطاهر، التي يصل ارتفاعها إلى نحو 600 متر وتقع على بعد حوالي 15 كيلومترا من الحدود الإسرائيلية بالقرب من مدينة النبطية وشمال نهر الليطاني، أهمية بالغة نظرا لإشرافها المباشر على شبكة الطرق الحيوية وأجزاء واسعة من جنوب لبنان.
ولا تنفصل هذه التلة عن محيطها الجغرافي، إذ تشكل جزءا من سلسلة مرتفعات مترابطة تضم مواقع استراتيجية مثل قلعة الشقف (بوفورت) وإقليم الطاف، مما يتيح للجهات المسيطرة عليها إنشاء حزام عسكري مهيمن يعزز القدرة على المراقبة والتحكم بالعمليات الميدانية وتأمين خطوط الإمداد والاتصال.
وفي أعقاب الأسابيع الطويلة من الحصار والعمليات البرية والجوية المكثفة التي أطلقها الجيش الإسرائيلي لتأمين المنطقة وتدمير الأنفاق والتحصينات تحت الأرض، برزت معركة علي الطاهر كعنوان بارز للتصعيد.
وفي حين أعلنت إسرائيل استزائها على مجمعات عسكرية وشبكات أنفاق تحت الأرض، تشكك المصادر المقربة من الحرس الثوري الإيراني في الرواية الرسمية الإسرائيلية، معتبرة أن السيطرة على حافة الجبل لا تعني بالضرورة السيطرة الميدانية الكاملة في ظل استمرار المواجهات والعمليات القتالية.
علي الطاهر في استراتيجية الحرس الثوري الإيراني
من منظور إقليمي، ينظر خبراء ومحللون إلى مرتفعات علي الطاهر باعتبارها ورقة ضغط استراتيجية ومكونا أساسيا في شبكة التحالفات الإقليمية التي تقودها طهران عبر ما يعرف بمحور المقاومة.
وتشير تقارير استخباراتية ودولية إلى وجود عناصر وضباط من الحرس الثوري الإيراني بالتنسيق مع مقاتلي حزب الله في هذه المنطقة الحساسة، مما يربط بشكل وثيق بين أمن هذه المرتفعات وبين استقرار النفوذ الإيراني الواسع في المنطقة.
وقد دأبت إيران على التعامل مع جبهة جنوب لبنان كجزء لا يتجزأ من استراتيجيتها الدفاعية والهجومية الشاملة، حيث تحذر واشنطن وتل أبيب باستمرار من مغبة توسيع العمليات العسكرية التي تستهدف البنية التحتية للمقاومة، معتبرة أن أي مساس بهذه المواقع يمس مباشرة بمعادلات الردع المتبادلة. وفي هذا السياق، تتقاطع الأهمية الاستراتيجية لعلي الطاهر مع اعتبارات أوسع ترتبط بإعادة التشكيل الإقليمي، لا سيما مع التطورات والمتغيرات المتلاحقة في الساحة السورية التي تقيد خطوط الإمداد اللوجستية وتزيد من الضغوط المفروضة على حزب الله.
أبعاد سياسة الأرض المحروقة ومستقبل الإقليم
إلى جانب البعد العسكري المباشر، تسعى إسرائيل من خلال حملاتها المستمرة واستخدامها الكثيف للقصف المدفعي والجوي وإلحاق الدمار الواسع بالغطاء النباتي والبنية التحتية المدنية إلى فرض وقائع جديدة تهدف إلى إخلاء المنطقة من المدنيين، وعرقلة جهود إعادة الاستيطان والإعمار في مرحلة ما بعد الحرب، وتهيئة الظروف لإنشاء مناطق عازلة.
وفي المقابل، تواصل الأطراف الداعمة لمحور المقاومة الرهان على صمود البنية التحتية الميدانية وشبكات الأنفاق لإفشال مساعي الحسم العسكري الإسرائيلي.
تظل مرتفعات علي الطاهر بمثابة بوصلة تختبر موازين القوى الجديدة في جنوب لبنان، وتكشف عن مدى الترابط المعقد بين ساحات المواجهة الإقليمية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية الميدانية مع استراتيجيات الردع الكبرى بين واشنطن وطهران وتل أبيب.











