إسلام آباد- المنشر_الاخباري
في تطور عسكري لافت يفتح الباب أمام اتساع رقعة الحرب في اليمن، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن مقاتلات باكستانية دخلت على خط المواجهة ضد جماعة الحوثيين، وشاركت في ضربات جوية داخل اليمن، بالتزامن مع تصعيد سعودي واسع ضد الجماعة المدعومة من إيران.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري باكستاني رفيع المستوى، لم تكشف عن هويته، أن مقاتلات تابعة لسلاح الجو الباكستاني تُستخدم في عمليات ضد الحوثيين، في أول مؤشر من داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية على انتقال دور إسلام آباد من المساندة الدفاعية للسعودية إلى المشاركة الجوية في العمليات ضد الحوثيين.
وبحسب مسؤول باكستاني ثانٍ تحدث للصحيفة، فإن مهمة القوات الباكستانية تتركز على توفير دعم جوي لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية، مع استبعاد تنفيذ هجوم بري باكستاني داخل اليمن.
لكن التطور الأكثر إثارة للجدل جاء بعد ساعات، عندما خرجت وزارة الإعلام الباكستانية لتنفي التقرير رسميًا، ووصفت ما نشرته «نيويورك تايمز» بشأن استخدام مقاتلات باكستانية ضد الحوثيين بأنه «مزيف ومفبرك»، داعية وسائل الإعلام الدولية إلى تجنب التكهنات بشأن استخدام القوات الباكستانية بموجب اتفاق مكة للدفاع المشترك.
وأكدت الوزارة أن أي تفاصيل تتعلق باستخدام القوات المسلحة الباكستانية في عمليات عسكرية سيتم الإعلان عنها من الجهات المختصة، ما يضع رواية المشاركة الجوية المباشرة في دائرة التضارب بين تقرير الصحيفة الأميركية والنفي الرسمي الصادر من إسلام آباد.
من الدفاع عن السعودية إلى ضرب الحوثيين؟
وتأتي هذه التطورات في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لباكستان، التي عززت وجودها العسكري في السعودية خلال الأسابيع الأخيرة، في إطار اتفاقات دفاعية وأمنية مع الرياض.
وكان وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف قد قال إن القوات الباكستانية والتركية تلعبان بالفعل دورًا داعمًا للسعودية، خصوصًا في مجالات الاستطلاع والدعم، لكنه أكد أن العمليات القتالية على الأرض ينفذها الجيش السعودي والقوات المتحالفة معه.
كما أكدت تقارير أن باكستان أرسلت معدات عسكرية إلى مدينة عدن، ونشرت قوات داخل الأراضي السعودية للمساعدة في حماية الحدود والمنشآت، في الوقت الذي بدأت فيه الرياض هجومًا مضادًا واسعًا لاستعادة مناطق سيطر عليها الحوثيون قرب باب المندب والساحل الغربي لليمن.
وتشير «نيويورك تايمز»، وفق ما نقلته تقارير عن تحقيقها، إلى وجود آلاف الجنود الباكستانيين في السعودية، بينهم عناصر من القوات الجوية والدفاع الجوي، فيما قدرت مصادر تحليلية العدد بنحو 8 آلاف عسكري، مع عدم إعلان إسلام آباد رقمًا رسميًا.
اتفاق مكة يغيّر قواعد اللعبة
وتزامن الحديث عن مشاركة باكستانية مباشرة مع تفعيل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، والذي ينص على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الأعضاء يمثل تهديدًا للدول الأخرى.
وبموجب التفاهمات الجديدة، بدأت الدول الثلاث في بحث آليات التعاون العسكري ونشر القدرات الدفاعية لمواجهة الهجمات الحوثية المتصاعدة على السعودية.
وأعلنت تركيا بالفعل أنها تقدم للرياض دعمًا دفاعيًا وفنيًا، يشمل معدات عسكرية ومعلومات استخباراتية وأنظمة تسليح ودعمًا في مجال الدفاع الجوي، مع تأكيد مسؤولين أتراك أن المشاركة التركية تركز على الجانب الدفاعي والتقني.
أما باكستان، فإن ثبوت تنفيذ مقاتلاتها ضربات داخل اليمن سيشكل تحولًا أكبر بكثير، لأنه يعني أن الاتفاق لم يعد يقتصر على حماية الأراضي السعودية، بل قد يتحول إلى مظلة لعمليات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين.
حرب تتوسع من باب المندب إلى الرياض
ويأتي ذلك في ظل واحدة من أكثر مراحل الحرب اليمنية تصعيدًا منذ سنوات.
فقد كثفت السعودية ضرباتها الجوية ضد مواقع الحوثيين، بينما شنت القوات اليمنية المدعومة من الرياض هجومًا واسعًا لاستعادة مناطق استراتيجية قرب باب المندب ومضيق البحر الأحمر.
وقالت مصادر إن أكثر من 100 طائرة مقاتلة شاركت في الهجوم السعودي، الذي استهدف مواقع حوثية في صعدة والحديدة والجوف ومأرب ومناطق أخرى.
ورد الحوثيون بسلسلة هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة استهدفت مدنًا ومنشآت سعودية، بينها مطارات الرياض وأبها.
وأعلنت السلطات السعودية مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 36 آخرين في هجمات على مطاري الملك خالد في الرياض وأبها، فيما قالت قوات التحالف إنها قصفت أكثر من 80 موقعًا عسكريًا للحوثيين في أربع محافظات يمنية.
وفي الوقت نفسه، امتدت الهجمات إلى اليمن، إذ استهدف الحوثيون مطار عدن الدولي بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة محملة بالمتفجرات، في تصعيد زاد المخاوف بشأن سلامة الملاحة الجوية وحركة الطيران في المنطقة.
هل دخلت باكستان الحرب فعلًا؟
السؤال الأبرز الآن هو ما إذا كانت باكستان قد انتقلت بالفعل من الدور الدفاعي إلى المشاركة الهجومية.
فتقرير «نيويورك تايمز» يقدم رواية تقول إن مقاتلات باكستانية استخدمت ضد الحوثيين، بينما تقول إسلام آباد إن هذه المعلومة «مفبركة»، ولم تعلن المؤسسة العسكرية الباكستانية رسميًا تنفيذ ضربات جوية داخل اليمن.
كما لم تكشف المصادر الرسمية الباكستانية عن أي تفاصيل بشأن عدد الطائرات التي قد تكون شاركت، أو طبيعة الأهداف، أو مواقع العمليات.
ويكتسب الأمر أهمية إضافية بسبب حساسية العلاقة بين باكستان وإيران. فإسلام آباد، رغم تحالفها الدفاعي المتزايد مع السعودية، تشترك مع إيران في حدود برية طويلة وعلاقات أمنية وسياسية معقدة، ما يجعل الانخراط المباشر في حرب ضد جماعة مدعومة من طهران قرارًا بالغ الحساسية.
وفي حال تأكدت مشاركة المقاتلات الباكستانية رسميًا، فإن ذلك سيمثل مرحلة جديدة في حرب اليمن، مع انتقال الصراع من مواجهة بين الحوثيين والقوات اليمنية المدعومة سعوديًا إلى ساحة تتداخل فيها قوى إقليمية متعددة، بينها السعودية وباكستان وتركيا، مع احتمال دخول أطراف أخرى على خط المواجهة.
وبذلك، تبقى مشاركة المقاتلات الباكستانية داخل اليمن رواية منسوبة إلى مسؤول عسكري باكستاني نقلتها «نيويورك تايمز»، مقابل نفي رسمي صريح من إسلام آباد، فيما تتسارع على الأرض التطورات العسكرية بصورة قد تجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد شكل التحالف الجديد وطبيعة الحرب المقبلة في اليمن.










