إسرائيل قصفت مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني في طهران ضمن هجوم أوسع تشنه مع الولايات المتحدة على أهداف للنظام الإيراني، وتزامن ذلك مع إعلان تل أبيب نيتها تكثيف موجات الضربات خلال الساعات المقبلة ضد عمق إيران.
خلفية التصعيد بين إيران وإسرائيل
تشهد الساعات الأخيرة واحدة من أعنف موجات التصعيد بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بعد انطلاق عملية عسكرية واسعة استهدفت مواقع إيرانية في عمق الأراضي الإيرانية.
وأعلنت مصادر عسكرية إسرائيلية وغربية أن الهدف من الضربات هو تقويض القدرات الصاروخية والعسكرية للنظام الإيراني، وتهيئة الظروف – وفق الرؤية الإسرائيلية والأمريكية – لتغيير سلوك طهران أو حتى بنية النظام نفسه.
الهجوم يأتي بعد ساعات من ضربات متبادلة شملت إطلاق إيران رشقات صاروخية تجاه أهداف في إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، ما أعاد الحديث عن احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود «الحرب بالوكالة» إلى صراع مباشر بين الجانبين.
في الوقت نفسه تواصل إسرائيل الحديث عن «هجوم وقائي» يستهدف ما تصفه بـ«الخطر الوجودي» الذي يمثله النظام الإيراني، بينما تلوّح طهران برد «ساحق» على الأهداف الإسرائيلية والأمريكية.
استهداف مبنى الإذاعة والتلفزيون: ضربة للرمز والصورةوسط هذا المشهد المشتعل، شكل استهداف مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني في طهران إحدى أكثر الضربات إثارة للجدل، ليس فقط لطبيعة الهدف، بل لتوقيته ووقعه على الرأي العام الإيراني.
فقد أفادت وسائل إعلام محلية بأن غارة إسرائيلية أصابت أحد مباني الهيئة الرسمية أثناء البث المباشر، ما أدى إلى توقف بث قناة الأخبار لفترة قصيرة، بينما واصل عدد من القنوات الأخرى إرسالها بعد السيطرة الجزئية على الأضرار.
ووثقت مقاطع متداولة لحظة اهتزاز الاستوديو على الهواء، واضطرار المذيعة وموجودين داخل المبنى لمغادرة الموقع تحت وقع الانفجار، في مشهد عكس انتقال الحرب من استهداف المواقع العسكرية التقليدية إلى قلب المؤسسات المدنية ذات الطابع الرمزي.
وأشارت تقارير إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف موظفي الهيئة، قبل أن تنجح غرف تحكم بديلة في إعادة البث، في رسالة من النظام الإيراني بأن «صوت الدولة» لم يُسكت رغم استهدافه المباشر.
تبريرات إسرائيل ورسائل طهرانفي المقابل، ربطت إسرائيل بين استهداف المبنى الإعلامي وبين ما تصفه بـ«بوق التحريض» ضدها، إذ سبقت الغارة تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لوّح فيها بإسكات «منابر الدعاية والتحريض» في طهران.
كما أكد الجيش الإسرائيلي أن عمليات القصف تسبقها – وفق روايته – تحذيرات للسكان في مناطق محددة بالعاصمة الإيرانية، في محاولة لإظهار الالتزام بتقليل الخسائر بين المدنيين قدر الإمكان.
في المقابل، وصفت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الهجوم بأنه «محاولة لإسكات صوت الشعب الإيراني»، واتهمت إسرائيل بالسعي لنشر الرعب والذعر بين المواطنين عبر ضرب مؤسسة تحظى بمتابعة واسعة في الداخل.
وتؤكد وسائل الإعلام الإيرانية أن الاستهداف لم يكن واسع النطاق بقدر ما أراد أن يوجّه رسالة نفسية وسياسية، خاصة مع تزامن الضربات مع حملة دعائية إسرائيلية وأمريكية تدعو الإيرانيين لرفض النظام الحالي.
تكثيف الضربات على إيران: سيناريو «الساعات الحرجة»بالتوازي مع الضربة التي طالت مبنى الإعلام الرسمي، أعلن الجيش الإسرائيلي عن موجة جديدة من الهجمات «الواسعة» ضد أهداف للنظام الإيراني في غرب البلاد، بعد ساعات من بدء العملية المشتركة مع الولايات المتحدة.
وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن توقعات بتعرض إيران خلال 24 ساعة لـ«قصف بقنابل يفوق ما تعرضت له أي دولة في العالم»، في إشارة إلى حجم العملية الجوية المخطط لها وكثافة النيران المستخدمة فيها.
هذه التطورات تأتي في وقت تتحدث فيه مصادر عسكرية في تل أبيب وواشنطن عن تدمير عشرات المنصات الصاروخية داخل إيران، في محاولة لتقليص قدرتها على مواصلة استهداف إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، تؤكد طهران أن ردها لن يكون مرحلياً أو محدوداً، وأن استهداف المراكز الحيوية، بما فيها منشآت إعلامية، لن يمر من دون رد في «الزمان والمكان المناسبين».
أبعاد إعلامية ونفسية
استهداف مبنى الإذاعة والتلفزيون الإيراني يتجاوز كونه ضربة «تكتيكية» إلى كونه جزءاً من حرب نفسية مركّزة تهدف إلى تقويض ثقة الشارع في قدرة مؤسسات الدولة على الصمود.
فالرسالة الأساسية تكمن في أن «عين» النظام وأداته الرئيسة في مخاطبة الداخل والخارج يمكن أن تصبح هدفاً مشروعاً، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول حدود استهداف المنشآت المدنية في النزاعات الحديثة.
في الوقت نفسه، تحاول طهران استخدام حادثة القصف لتغذية خطاب «العدوان الخارجي» وحشد التعاطف الداخلي، عبر إبراز مشاهد المذيعين والموظفين الذين واصلوا العمل رغم الخطر، وتوظيف صورة «الإعلام المقاوم تحت النار» في حشد الرأي العام.
وبين رسائل إسرائيل العسكرية والإعلامية، ومحاولات إيران الاستثمار في «بطولة الصمود»، يبقى المشهد مرشحاً لمزيد من التصعيد مع استمرار الإعلان عن موجات جديدة من الضربات المتبادلة.











