تحليل معمق لعقيدة ‘الدفاع الفسيفسائي’ الإيرانية، استراتيجية اللامركزية التي تهدف إلى تحويل أي غزو بري إلى حرب استنزاف طويلة. استكشف كيف توازن إيران بين المسيرات الرخيصة، شبكة الوكلاء، والجغرافيا الوعرة في مواجهة عملية ‘الغضب الملحمي’.
طهران – المنشر الاخباري، الخميس 26 مارس 2026، في الأول من مارس 2026، حين أطلق وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي تغريدة على منصة “إكس” وسط دوي الغارات الجوية التي تستهدف بلاده، لم يكن يطلق تصريحا دفاعيا ارتجاليا.
كان يلخص عقيدة عسكرية اشتغلت عليها إيران طوال عقدين من الزمن: “لقد أمضينا عقدين في دراسة هزائم الجيش الأمريكي في منطقتي الشرق والغرب المجاورتين لنا.. إن قصف عاصمتنا لا يؤثر على قدرتنا على خوض الحرب، فالدفاع اللامركزي المتكامل يمكننا من تحديد متى وكيف ستنتهي الحرب”.
هذه العبارات الموجزة تحمل ثقل منظومة دفاعية متكاملة تعرف بـ “الدفاع الفسيفسائي”، والتي باتت تثبت حضورها على أرض الواقع منذ انطلاق عملية “الغضب الملحمي” الأمريكية الإسرائيلية.
عقيدة ولدت من رحم “الهزائم المراقبة”
لا يمكن فهم الدفاع الفسيفسائي بمعزل عن التاريخ الذي أنجبه، فالجيش الإيراني صاغ هذه العقيدة من خلال مراقبة منهحية لما حدث على حدوده خلال العقدين الماضيين.
حين سقطت بغداد في ثلاثة أسابيع عام 2003، استخلص الحرس الثوري درسه الأول، المركزية القيادية هي نقطة الضعف القاتلة أمام خصم يمتلك تفوقا جويا ساحقا.
وحين تحولت أفغانستان إلى استنزاف أمريكي مديد، تبلور الدرس الثاني ما لا يمكن كسره بالمواجهة المباشرة يمكن إنهاكه بالاستنزاف.
من هذين الدرسين ولدت عقيدة رسمية أعلنها الحرس الثوري عام 2005، وشرع فورا في تطبيقها هيكليا عبر تقسيم إيران إلى 31 قيادة إقليمية مستقلة، تعمل كل منها كوحدة قتالية متكاملة بذاتها، تمتلك مخزونها الخاص وقدراتها الاستخباراتية، وقادرة على العمل حتى في حال انقطاع الاتصال بالعاصمة طهران.
كيف تعمل “الفسيفساء” في الميدان؟
الجوهر الفلسفي للعقيدة يكمن في نقل “نقطة الضعف” من المركز إلى الأطراف المتعددة، فحين تستهدف ضربة جوية مركز القيادة في طهران، لا يتوقف الدفاع، بل تواصل القيادات الإقليمية عملها وفق تعليمات مسبقة.
هذا ما كشفه عراقجي حين علق على ضربات استهدفت عمان بالخطأ، معزيا إياها إلى “وحدات مستقلة معزولة تعمل بناء على تعليمات عامة”.
على الصعيد البري، تحول العقيدة الجغرافيا الإيرانية (جبال زاغروس والبرز والصحاري) إلى سلاح يلغي التفوق التكنولوجي للخصم.
ويضاف إلى ذلك قوات “الباسيج” بملايين أفرادها، الذين يمثلون احتياطيا بشريا لخوض حرب شعبية تعتمد تكتيكات الكر والفر والكمائن وتعطيل خطوط الإمداد.
الصواريخ والمسيرات: منطق “اختلال التوازن” الاقتصادي
لا تكتمل الصورة دون استيعاب ركيزة الصواريخ والمسيرات التي تعمل وفق منطق اقتصادي محكم. طائرة “شاهد” المسيرة، التي لا تتجاوز تكلفة إنتاجها 50 ألف دولار، تستدعي صواريخ اعتراض أمريكية تكلف الواحد منها قرابة 4 ملايين دولار.
هذا الاختلال الهائل هو صميم الاستراتيجية، إذ تدرك طهران أن كسب الحرب تقنيا بعيد المنال، لكن إنهاك الخصم اقتصاديا وسياسيا هدف قابل للتحقيق، تماما كما فعل الحوثيون في أزمة البحر الأحمر.
شبكة الوكلاء والخلايا النائمة: الذراع الممتدة
يمثل “محور المقاومة” امتدادا جغرافيا لهذه العقيدة، يتيح لطهران فتح جبهات متعددة تشتت موارد الخصم، ففي مارس 2026، ومع تهديد إسرائيل بعملية برية في لبنان، كانت “قوة رضوان” النخبوية تنتشر لمواجهة الدبابات، وهو جزء من المنطق الإيراني لاستنزاف الموارد الإسرائيلية.
لكن الأخطر هو ما يثير قلق سلطات إنفاذ القانون الأمريكية: الخلايا النائمة. ففي مارس 2026، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بوجود “همسات متزايدة” حول تخطيط لهذه الخلايا داخل الأراضي الأمريكية، وهو ما دفع الرئيس ترامب للإقرار صراحة بأن “بعض الأمور متوقعة” في حال اندلاع حرب شاملة.
الصمود تحت القصف: الاختبار الحقيقي
رغم الضربات المتواصلة التي استهدفت قادة إيرانيين ضمن عملية “الغضب الملحمي”، لم تنهار المنظومة القيادية للحرس الثوري.
وصرح قائد القوات البرية، سردار محمد كرامي، أن الوحدات البرية في “أعلى مستويات الجاهزية”، في رسالة تستهدف إسقاط خيار الغزو البري الذي يصفه المحللون الغربيون بأنه سيكون “مستنقعا” لا مخرج منه.
حدود العقيدة وأسئلة المستقبل
لا تعني الكفاءة التكتيكية للدفاع الفسيفسائي غياب نقاط الضعف؛ فالتفوق الجوي الأمريكي الإسرائيلي حقيقي، والبنية التحتية الإيرانية تتلقى ضربات موجعة، والاقتصاد المثقل بالعقوبات يضعف القدرة على الصمود طويل الأمد.
بيد أن هذه العقيدة لم تصمم لتحقيق انتصار كاسح، بل صممت لمنع الانهيار السريع وتحويل أي مغامرة عسكرية إلى حرب استنزاف باهظة التكاليف. وفي هذا المعنى، يبدو أن “الدفاع الفسيفسائي” يؤدي وظيفته حتى الآن كأداة ردع أخيرة.










