بيروت – وداع مؤلم لأحد أبرز أصوات الغناء الملتزم في لبنان والعالم العربي أحمد قعبور، رافق أجيالا بأغنياته عن الصمود والقضية الفلسطينية، وظل يغني حتى وهو يخوض آخر معاركه مع المرض
غابت اليوم الخميس الـ26 من مارس 2026 عن بيروت صوت لم يعرف يوما كيف يصمت أمام الجرح، وكيف يغني لغير الأرض والإنسان. فارق الفنان اللبناني أحمد قعبور الحياة في بيروت بعد صراع مضن مع مرض السرطان، عن عمر ناهز الحادية والسبعين عاما، تاركا وراءه إرثا فنيا ووطنيا لن تمحوه الأيام.
صوت عرفته الجراح قبل المسارح
ولد أحمد قعبور في التاسع من يوليو 1955، في مدينة بيروت التي أحبها وغنى لها وعاش معها كل حروبها وأحزانها وأفراحها القليلة. لم يكن قعبور فنانا بالمعنى الترفيهي للكلمة، بل كان ظاهرة ثقافية فريدة جمعت بين الصوت والموقف والانتماء. في زمن كانت فيه المنطقة العربية تتشقق تحت وطأة الاحتلال والحروب والنزوح، اختار قعبور أن تكون أغنيته رسالة لا بضاعة، وشهادة لا ترفيها.
ارتبط اسمه بجيل من الفنانين العرب الذين آمنوا بأن الفن سلاح وليس زينة، وحمل على عاتقه هما فلسطينيا لبنانيا إنسانيا لم يتخل عنه يوما، حتى حين أثقل المرض كاهله في أيامه الأخيرة.
“أناديكم”.. الأغنية التي لا تشيخ
يصعب الحديث عن أحمد قعبور دون أن تتصدر المشهد أغنية “أناديكم”، المستوحاة من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد. تلك الأغنية التي تحولت عبر العقود من مجرد لحن إلى نشيد جماعي يرفعه كل من يحمل في صدره ذرة حنين إلى فلسطين أو حلما بالعودة. غناها قعبور مئات المرات في مئات المحافل، وفي كل مرة كانت تبدو وكأنه يغنيها للمرة الأولى بالحرارة ذاتها واليقين ذاته.
إلى جانب “أناديكم”، رسخ قعبور حضوره بأغنيات لا تزال تسكن ذاكرة الأجيال، أبرزها “بيروت يا بيروت” التي صارت ترنيمة المدينة في أحلك ساعاتها، و”يا رايح صوب بلادي” التي حملت بين كلماتها وجع المغترب ولوعة المقيم في وطن يعصر.
غنى جالسا وهو يقاوم الموت
ما يحفر عميقا في ذاكرة من عرفوا أحمد قعبور ليس فقط ما أعطاه للفن في أيام العافية، بل ما أعطاه له في أيام المرض. ففي ديسمبر 2025، حضر قعبور حفلا خيريا حمل اسم “قلوب تغني لحن العطاء”، وهو يخوض جلسات العلاج الكيميائي التي أنهكت جسده ونحتت في ملامحه. وحين فقد توازنه للحظات أمام الجمهور، لم يغادر المسرح ولم يستسلم، بل جلس وأكمل الغناء.
تلك اللحظة لخصت كل شيء عن هذا الرجل: صوت أكبر من جسده، وإرادة أقوى من مرضه، وعهد مع الناس لم يقبل نقضه حتى وهو يودع.
خسارة تتجاوز الفن
رحيل أحمد قعبور ليس خسارة في سجل الفن اللبناني وحده، بل هو فراغ في ضمير ثقافي عربي بات يفتقر أصلا إلى من يغني له لا من يغني أمامه. فقعبور كان من النوع النادر الذي يغني معك لا لك، يحمل همك ويعيده إليك أغنية تستطيع أن تشعر معها بأنك لست وحدك.
طوال مسيرة امتدت لعقود، ظل وفيا للخط الذي رسمه في البداية: الانتماء للأرض، والتضامن مع الإنسان المقهور، والإيمان بأن الجمال شكل من أشكال المقاومة. لم تغرد أغنياته في فضاء المحايدين ولم تسع إلى الجميع، وربما كان هذا سر عمقها وديمومتها في القلوب.
يشيع لبنان والعالم العربي اليوم صوتا كان أكثر من صوت، وفنانا كان أكثر من فنان. ويبقى لأحمد قعبور ما لا ينزع من الأحياء الراحلين: أغنيات لن تسكتها أي نهاية، وذاكرة جماعية حفرت اسمه في مكان لا تصله يد النسيان.










