باريس – محكمة الجنايات تدين طارق رمضان حفيد مؤسس الإخوان المسلمين في قضية امتدت وقائعها على مدى سبع سنوات، والقاضية تصف أفعاله بـ”الخطورة القصوى” وتراها سعيا لـ”تجريد الضحايا من إنسانيتهن”
أسدل الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في باريس الستار القضائي على قضية استقطبت اهتماما واسعا في أوروبا وخارجها، حين قضت القاضية كورين غوتزمان بسجن طارق رمضان، حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، لمدة ثمانية عشر عاما، إثر إدانته باغتصاب ثلاث نساء في وقائع موزعة بين عامي 2009 و2016.
وأفادت صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية بتفاصيل الحكم الذي جاء أشد مما طالب به الادعاء العام.
القاضية: سعى إلى تجريد ضحاياه من إنسانيتهن
لم تكتف القاضية غوتزمان بإصدار الحكم، بل أسهبت في توصيف ما انتهت إليه المحكمة من قناعات بشأن شخصية المتهم وطبيعة أفعاله، وشددت على “الخطورة القصوى” لما اقترفه رمضان، مقدرة أنه سعى بصورة ممنهجة إلى “تجريد ضحاياه من إنسانيتهن”، في صياغة قضائية حادة تتجاوز وصف الجريمة إلى تشريح نمط سلوك.
وأوضحت القاضية أن بعض الضحايا وافقن في البداية على إقامة علاقات مع رمضان، غير أنه حول تلك العلاقات إلى اعتداءات عنيفة متواصلة، مستغلا ما بناه من ثقة مسبقة لتحقيق أهداف إجرامية.
وفي شهادة بالغة الدلالة، أكدت إحدى الضحايا أنها شعرت خلال الواقعة بـ”خطر الموت الوشيك”، وهو توصيف يرسم حجم الرعب الذي أحاط بتلك اللحظات.
ثلاث ضحايا وسبع سنوات من الوقائع
تمتد الجرائم التي أدين بها رمضان على مدى سبع سنوات، وتتضمن ثلاث قضايا مستقلة تشكل في مجملها ما اعتبرته المحكمة نمطا متكررا يدل على إرادة إجرامية ثابتة لا يمكن ردها إلى حادثة عارضة.
القضية الأولى: تعود إلى عام 2009 في مدينة ليون، وتتعلق بامرأة أشير إليها بالاسم المستعار “كريستيل”، ووصفت بأنها كانت في وضع هش. وصنفت المحكمة هذه القضية باعتبارها “اغتصابا مشددا” اقترن بالعنف الجسدي.
القضية الثانية: تخص الناشطة هند عياري التي تعرضت للاغتصاب في غرفة فندق بباريس عام 2012. وعياري هي من فتحت الباب أمام هذا الملف حين كشفت علنا عام 2017 عما تعرضت له وقدمت شكوى رسمية أطلقت مسار التحقيق، في خطوة وصفها المدافعون عن حقوق النساء بأنها ثمن باهظ دفعته عياري لمواجهة شخصية ذات نفوذ رمزي واسع في الأوساط الإسلامية الأوروبية.
القضية الثالثة: تتعلق بامرأة لم تكشف هويتها، وقالت إنها تعرضت للاغتصاب عام 2016. وشكلت هذه القضية مع سابقتيها ما اعتمدته المحكمة دليلا على التكرار المقصود لا العرضي.
عقوبات تتجاوز السجن
لم يقتصر الحكم على عقوبة السجن الثمانية عشرة عاما، بل جاء محاطا بحزمة من التدابير القضائية الاستثنائية تعكس تقدير المحكمة لمستوى الخطورة التي يمثلها المتهم.
أمرت المحكمة بوضع رمضان تحت المراقبة القضائية لمدة ثماني سنوات كاملة بعد انقضاء عقوبة السجن، مع حظر صريح يمنعه من التواصل مع الضحايا بأي صورة كانت أو التعليق علنا على القضية. وأضافت إلى ذلك قرارا بالمنع النهائي من دخول الأراضي الفرنسية، وأبقت على مذكرة التوقيف الصادرة بحقه نافذة بأثر فوري، في إشارة واضحة إلى أن المحكمة لا تعامل هذه القضية باعتبارها ملفا قضائيا عاديا.
مسار قضائي مضطرب امتد لسنوات
لم تكن طريق هذا الحكم معبدة. فمنذ أن فجرت هند عياري قضيتها عام 2017، خاض رمضان معارك قانونية مضنية أمام محاكم فرنسية وسويسرية على حد سواء، معترضا على التهم الموجهة إليه ونافيا إياها. وظل محتجزا في فرنسا لفترات متقطعة قبل الإفراج عنه بكفالة، في حين كانت قضايا موازية تسير في المسارات القضائية السويسرية.
واستقطبت قضيته انقساما حادا في الرأي العام الأوروبي، بين من رأى فيها مثالا على المساءلة التي طال انتظارها لشخصية استثمرت مكانتها الدينية والفكرية درعا يقيها المحاسبة، وبين من ادعى أنها ملاحقة تنطوي على دوافع سياسية وعقائدية تستهدف صوتا إسلاميا بارزا.
بيد أن الحكم الصادر اليوم يضع حدا قانونيا لهذا الجدل، ويرسي مبدأ لا لبس فيه: أن المكانة الرمزية والحضور الفكري لا يمنحان أي إعفاء من المساءلة الجنائية حين تثبت المحكمة بما يكفي من الأدلة أن ضحايا دفعن ثمنا إنسانيا باهظا خلف الجدران المغلقة.










