في مواجهة واحدة من أعنف أزمات الطاقة التي شهدها العالم منذ عقود، كشفت الحكومة اليابانية اليوم عن استراتيجية شاملة ومعمقة لضمان أمن الطاقة القومي واستقرار إمدادات الكهرباء، في ظل التوترات العسكرية المتصاعدة التي أدت إلى إغلاق جزئي لمضيق هرمز.
وتأتي التحركات اليابانية لتعكس حالة الاستنفار في ثالث أكبر اقتصاد في العالم لتفادي سيناريوهات الانقطاع وتخفيف الاعتماد على المسارات البحرية المهددة.
خارطة طريق الكهرباء: بدائل الغاز الطبيعي المسال
أوضحت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية أن محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز الطبيعي المسال (LNG) تمثل العمود الفقري لإنتاج الكهرباء في البلاد بنسبة تصل إلى 30%، بينما تسهم المحطات العاملة بالنفط بنحو 7% فقط.
ومع استمرار الأزمة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 6% من إجمالي واردات اليابان من الغاز (ما يعادل 4 ملايين طن سنوياً)، قررت الحكومة إعادة هيكلة مزيج الطاقة بشكل عاجل.
وطمأنت الحكومة المواطنين بأن شركات الكهرباء والغاز تمتلك حالياً مخزوناً احتياطياً يقارب حجم الواردات السنوية المارة عبر هرمز، مع تقدم مطرد في إيجاد موردين بدلاء. ومع ذلك، ولتعزيز “الأمن الطاقي”، تقرر اتخاذ خطوتين استراتيجيتين لتقليل استهلاك الغاز:
العودة إلى الفحم: بناءً على مناقشات مجلس وزارة الاقتصاد، تقرر تعليق إجراءات تقييد تشغيل محطات الفحم غير الفعالة للسنة المالية 2026. هذا الإجراء الاستثنائي سيؤدي إلى توفير حوالي 500 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً.
التعويل على الطاقة النووية: سيعتمد أمن الطاقة الياباني بشكل كبير على تشغيل الوحدة السادسة من محطة “كاشيوازاكي-كاريوا” التابعة لشركة طوكيو للطاقة الكهربائية بكامل طاقتها الإنتاجية.
ومن المتوقع أن يوفر هذا الإجراء وحده ما يعادل 1.1 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً.
وبدمج هذين الإجراءين، ستتمكن اليابان من خفض استهلاك الغاز الطبيعي المسال المار عبر مضيق هرمز بنسبة تصل إلى 40%، وهي قفزة نوعية في تقليل الانكشاف على المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
إطلاق الاحتياطيات النفطية: تحرك جماعي مع مجموعة السبع
وعلى جبهة الوقود السائل (البنزين والمنتجات البترولية)، بادرت طوكيو إلى خطوة “الخيار الأخير” لضمان عدم حدوث أي انقطاع في الأسواق المحلية.
وأعلنت الحكومة أنها بدأت بالفعل، اعتباراً من يوم أمس (26 مارس)، إطلاق احتياطياتها الوطنية من النفط الخام وفقاً لـ “قانون احتياطيات البترول”.
ويأتي هذا التحرك بالتنسيق الوثيق مع دول مجموعة السبع (G7) ووكالة الطاقة الدولية (IEA) وتتضمن الخطة اليابانية إطلاق ما مجموعه 8.5 مليون كيلولتر من النفط الخام، وهي كمية ضخمة تكفي لسد احتياجات البلاد لمدة شهر كامل تقريباً.
وسيتم سحب هذه الكميات تباعاً من 11 قاعدة استراتيجية موزعة في جميع أنحاء اليابان، لضمان استقرار الأسعار وتوافر الوقود للمواطنين والقطاعات الصناعية.
رسالة طمأنة: المرونة في مواجهة المجهول
أكد المسؤولون في طوكيو أن هذه التدابير ليست ثابتة، بل ستخضع لمراجعة مستمرة وبمرونة عالية لضمان استقرار إمدادات الكهرباء مهما طال أمد النزاع في الشرق الأوسط.
.وشددت الحكومة على أن الأولوية القصوى هي “دعم حياة المواطنين باستمرار دون نفاد الموارد”، مشيرة إلى أن اليابان مستعدة للنظر في كافة الخيارات الدبلوماسية والفنية لتأمين احتياجاتها.
تضع هذه الخطوات اليابان في طليعة الدول التي بدأت فعلياً في “عسكرة” اقتصاد الطاقة لديها، محولةً الأزمة إلى فرصة لتسريع تشغيل المفاعلات النووية وإعادة إحياء محطات الفحم، في محاولة للصمود أمام تداعيات “أزمة 2026” التي أعادت رسم خارطة التدفقات النفطية والغازية حول العالم










