انتقال مثير للجدل في قمة النظام الإيراني يفتح باب التساؤلات حول صانع القرار الحقيقي وحدود السلطة في مرحلة حساسة
طهران – المنشر الإخبارى
تشهد طهران حالة غير مسبوقة من الغموض السياسي في أعلى هرم السلطة، في ظل غياب الظهور العلني للمرشد الجديد مجتبى خامنئي، وتراجع نمط الخطاب المباشر الذي كان يميز عهد والده علي خامنئي، ما أثار تساؤلات داخلية وخارجية حول الجهة التي تمسك فعليًا بمفاتيح القرار في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
وبحسب تقرير لشبكة CNN، فإن المرحلة الحالية تمثل تحولًا لافتًا في طبيعة إدارة الدولة الإيرانية، خاصة مع دخول البلاد في مسار تفاوضي متوتر مع واشنطن، حيث لم يعد واضحًا من يضع “الخطوط الحمراء” أو يحدد سقف التحركات الدبلوماسية.
التقرير أشار إلى أن الانتقال السريع للسلطة عقب اغتيال المرشد السابق علي خامنئي جاء مصحوبًا بقدر كبير من الغموض، إذ تولى نجله مجتبى موقع القيادة دون ظهور علني أو خطاب مباشر يوضح رؤيته السياسية، وهو ما اعتبره محللون خروجًا عن النمط التقليدي الذي رسّخه النظام لعقود.
في المقابل، كان المرشد الراحل—بحسب التقرير—يمارس دورًا مباشرًا وعلنيًا في إدارة التوازنات بين مؤسسات الدولة، ويتدخل بشكل واضح في ملفات السياسة الخارجية، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة والاتفاقات النووية ومسارات التفاوض.
أما في المرحلة الحالية، فتشير المعطيات إلى غياب هذا الدور العلني، مقابل اعتماد غير معلن على قنوات خلفية لإدارة الملفات الحساسة، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات حول وجود مراكز نفوذ موازية تتولى صياغة القرار بعيدًا عن الواجهة الرسمية.
ويرى محللون أن هذا الغياب في الظهور العلني للقيادة العليا لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل ينعكس مباشرة على طبيعة التفاوض مع واشنطن، حيث تصبح الرسائل السياسية أقل وضوحًا، ويزداد هامش التأويل حول مواقف طهران من القضايا الخلافية.
كما يلفت التقرير إلى أن أحد أبرز التحديات الحالية يتمثل في تحديد الجهة المخولة فعليًا بوضع “الخطوط الحمراء”، وهي النقطة التي كانت سابقًا محسومة عبر تدخل مباشر من المرشد الأعلى، بينما تبدو اليوم أكثر غموضًا وتعقيدًا في ظل غياب الظهور العلني للشخصية القيادية الجديدة.
هذا الوضع، وفق مراقبين، قد ينعكس على قدرة طهران على الوصول إلى تفاهمات مستقرة مع واشنطن، إذ تعتمد أي صفقة سياسية أو أمنية على وجود مركز قرار واضح يمكنه الالتزام بالاتفاقات وضمان تنفيذها داخل مؤسسات الدولة المختلفة.
وفي الوقت ذاته، لا يستبعد التقرير أن يكون هذا الغموض جزءًا من إعادة تشكيل داخلية لنظام الحكم، تهدف إلى توزيع أدوار القيادة بين أكثر من جهة، بما يقلل من مركزية القرار ويزيد من مرونته في التعامل مع الضغوط الخارجية.
لكن هذا النموذج—إن صح—يحمل في طياته مخاطر إضافية، أبرزها صعوبة تحديد المسؤول الفعلي عن القرارات المصيرية، واحتمال تضارب الرسائل الصادرة عن مؤسسات الدولة، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي والمفاوضات الدولية.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار هذا المشهد غير الواضح قد يجعل أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة عرضة للاهتزاز، في ظل غياب التأكيدات العلنية المعتادة من أعلى سلطة سياسية في البلاد، والتي كانت تمثل سابقًا الضامن النهائي لأي مسار تفاوضي.
وفي ظل هذا الغموض، تبقى الأسئلة مفتوحة حول طبيعة المرحلة المقبلة في إيران: هل نحن أمام إعادة هيكلة هادئة لنظام القرار؟ أم أمام فراغ قيادي غير معلن يعيد رسم توازنات الداخل والخارج في آن واحد؟










