الحرب في إيران تعيد رسم حسابات النمو في شرق أوروبا
لندن – المنشر الإخبارى
تشهد اقتصادات وسط وشرق وجنوب شرق أوروبا مرحلة معقدة تتداخل فيها مؤشرات التعافي النسبي مع تصاعد واضح في مستويات المخاطر، في ظل استمرار تداعيات الحرب في إيران وما فرضته من اضطرابات على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. وبينما تحافظ المنطقة على مسار نمو إيجابي، فإن هذا النمو يبدو أقل استقرارًا وأكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل أولويات السياسات الاقتصادية في القارة.
وبحسب أحدث تقرير صادر عن معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية، فإن اقتصادات 27 دولة في المنطقة لا تزال قادرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية، رغم الضغوط المتزايدة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ التجارة العالمية، وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. إلا أن التقرير يحذر في الوقت نفسه من أن هامش الأمان الاقتصادي بدأ يتقلص تدريجيًا أمام موجات عدم اليقين المتصاعدة
توقعات النمو… أرقام مستقرة لكن أقل تفاؤلًا
يتوقع المعهد أن يبلغ متوسط النمو في المنطقة نحو 2.1% خلال العام الحالي، على أن يرتفع إلى 2.5% في عام 2027، ثم يصل إلى 2.9% في 2028. ورغم هذا الاتجاه التصاعدي، فإن الصورة العامة تتسم بتفاوت كبير بين الدول، حيث تسجل بعض الاقتصادات أداءً أقوى، بينما تعاني أخرى من تباطؤ واضح بسبب الأزمات الجيوسياسية.
وتتصدر دول غرب البلقان وتركيا وكازاخستان قائمة الاقتصادات الأكثر نموًا نسبيًا، في حين تبقى روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا في موقع أضعف نتيجة تأثيرات الحرب والعقوبات والاضطرابات الإقليمية.
تأثير الحرب في إيران… محدود حاليًا لكنه مرشح للتفاقم
بحسب التقرير، فإن تأثير الحرب في إيران على دول الاتحاد الأوروبي في شرق القارة لا يزال “قابلًا للاحتواء” في الوقت الحالي، لكن المؤشرات الاقتصادية تكشف عن ضغوط متزايدة قد تتفاقم إذا طال أمد الصراع.
ويحذر الخبراء من أن ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الطلب على الصادرات، وتعطل سلاسل الإمداد، إضافة إلى انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، قد يشكل مزيجًا ضاغطًا على النمو خلال المرحلة المقبلة.
ويشير الباحث ريتشارد غريفيسون، معد التقرير، إلى أن السيناريو الأساسي يفترض استمرار النمو، لكن بوتيرة أقل من المتوقع سابقًا، مع مراجعة هبوطية لتوقعات الاتحاد الأوروبي في المنطقة.
أوروبا الشرقية تتفوق على منطقة اليورو
رغم التحديات، لا تزال دول المنطقة تحقق أداءً أفضل من منطقة اليورو ككل. إذ يتوقع التقرير أن يسجل اقتصاد الاتحاد الأوروبي في شرق القارة نموًا بمتوسط 2.3% خلال 2026 و2027، مقارنة بنمو لا يتجاوز 0.9% و1.1% في منطقة اليورو خلال الفترة نفسها.
لكن التقرير يحذر من أن أي تصعيد طويل الأمد في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى خفض إضافي في معدلات النمو بما يتراوح بين 1 إلى 1.5 نقطة مئوية في بعض الدول، وهو ما قد يغير الصورة بالكامل.
تفاوتات حادة بين دول المنطقة
على مستوى الدول، تشير التوقعات إلى أن بولندا ستقود النمو داخل الاتحاد الأوروبي في المنطقة، بمعدل متوقع يبلغ 3.6% في 2026، بينما قد تتقدم إستونيا في 2027 بمعدل 2.8% متفوقة على بولندا قليلًا.
أما كرواتيا، فمن المتوقع أن تحافظ على أداء إيجابي مع نمو يقارب 2.6% في 2026، مع استقرار نسبي خلال السنوات التالية.
في المقابل، تواجه المجر مسارًا اقتصاديًا أكثر بطئًا، رغم التغيرات السياسية الأخيرة. فقد أدى فوز بيتر ماغيار وتوليه رئاسة الحكومة إلى رفع التوقعات بإصلاحات اقتصادية، إلا أن الخبراء يرون أن التحديات البنيوية ستحتاج وقتًا طويلًا للتعامل معها.
ويتوقع أن يسجل الاقتصاد المجري نموًا بنسبة 1.6% في 2026 و1.8% في 2027، وسط ضغوط تتعلق بالعجز المالي المرتفع وتجميد بعض أموال الاتحاد الأوروبي.
نموذج النمو التقليدي تحت الضغط
يشير التقرير إلى أن النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه دول أوروبا الوسطى والشرقية لعقود، والقائم على جذب الاستثمارات الصناعية الأجنبية والعمل كمركز إنتاج للشركات العالمية، أصبح يواجه تحديات متزايدة.
وتشمل هذه التحديات ارتفاع تكاليف العمالة، وضعف الإنتاجية، وتزايد المنافسة الصينية، إلى جانب تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
ويضيف التقرير أن الإنفاق الدفاعي في المنطقة بات في بعض الحالات يساوي أو يتجاوز حجم الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يعكس تحولات كبيرة في أولويات الدول في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
البلقان وتركيا… أداء أقوى خارج الاتحاد الأوروبي
خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، يتوقع أن تسجل دول غرب البلقان أداءً اقتصاديًا أفضل نسبيًا، مع نمو يصل إلى 2.5% في 2026 و3.1% في 2027، مدعومًا بانتعاش تدريجي في الاستثمارات والبنية التحتية.
أما تركيا، فتظهر كأحد الاقتصادات الأسرع نموًا في المنطقة، مع توقعات بنمو يبلغ 3.7% في 2026 ويرتفع إلى 4.1% في 2027، رغم التحديات الداخلية المرتبطة بالتضخم والسياسات النقدية.
أوكرانيا… اقتصاد تحت الضغط المستمر
في المقابل، يبقى الوضع في أوكرانيا الأكثر هشاشة، في ظل استمرار تداعيات الحرب مع روسيا وتأثيرات الأزمة في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة والغذاء.
ويتوقع أن لا يتجاوز النمو 1% في 2026، مع إمكانية ارتفاعه إلى 2.5% في 2027 في حال تحسن الظروف الأمنية والاقتصادية، لكن هذا السيناريو يبقى غير مضمون.
وتشير التقديرات إلى أن اعتماد أوكرانيا الكبير على استيراد الوقود والأسمدة يجعلها من أكثر الدول تأثرًا بارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على قطاعها الزراعي الحيوي.
روسيا… نمو ضعيف رغم ارتفاع أسعار الطاقة
على الجانب الآخر، تبدو روسيا في حالة شبه ركود اقتصادي، رغم استفادتها من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الأزمة في الشرق الأوسط.
ويتوقع أن يسجل الاقتصاد الروسي نموًا لا يتجاوز 0.9% في 2026 و1.5% في 2027، في ظل استمرار ضعف الاستثمارات ونقص العمالة وارتفاع أسعار الفائدة.
ويشير التقرير إلى أن ارتفاع أسعار النفط يمنح موسكو بعض الاستقرار المالي، لكنه لا ينعكس بشكل كبير على النمو الحقيقي، حيث تُستخدم العائدات بشكل أساسي لدعم الميزانية العامة وتقليل العجز.
ويؤكد خبراء المعهد أن كل زيادة بمقدار دولار واحد في سعر برميل النفط تضيف نحو 58 سنتًا إلى خزينة الدولة الروسية، ما يمنحها هامشًا ماليًا إضافيًا في ظل الأزمة الحالية.
لكن رغم ذلك، تبقى قدرة هذه العائدات على تحفيز النمو محدودة، بسبب توجه الموارد نحو الإنفاق العسكري والالتزامات المالية بدلًا من الاستثمار الإنتاجي.
صورة عامة… نمو متماسك لكن هش
في المجمل، تؤكد التقديرات أن اقتصادات أوروبا الناشئة ما زالت قادرة على الاستمرار في مسار نمو إيجابي، لكنها تواجه بيئة أكثر هشاشة وتعقيدًا مما كانت عليه قبل سنوات.
ويحذر التقرير من أن استمرار الحرب في إيران لفترة طويلة، إلى جانب التوترات الجيوسياسية العالمية، قد يعيد رسم خريطة النمو في المنطقة، ويحول الاستقرار الحالي إلى تباطؤ أوسع نطاقًا خلال السنوات المقبلة.










