تمنراست – الأربعاء، 29 أبريل 2026، تتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي وفي دوائر النقاش السياسي بالجزائر موجة عارمة من التوجسات حيال التطورات الميدانية المتسارعة في إقليم أزواد بشمال مالي. وتأتي هذه المخاوف مدفوعة بحدث مفصلي تمثل في سيطرة جبهة تحرير أزواد (FLA) على مدينة كيدال، المعقل التاريخي للطوارق، في 25 أبريل الجاري، مما أثار تساؤلات حارقة حول إمكانية انتقال “عدوى الانفصال” إلى العمق الجزائري.
زلزال “كيدال” وتوازنات القوة الجديدة
منذ تأسيسها في نوفمبر 2024 كتحالف يجمع كبرى الحركات الأزوادية (مثل MNLA)، نجحت جبهة تحرير أزواد في قلب الطاولة على حكومة باماكو.
وبالتنسيق التكتيكي مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، شنت الجبهة هجمات واسعة شملت غاو ومناطق قريبة من العاصمة مالي، مطالبة بحكم ذاتي موسع أو استقلال كامل لإقليم أزواد.
هذا التصعيد جاء كتحصيل حاصل لانهيار اتفاق السلام الجزائري لعام 2015، مما وضع المنطقة على فوهة بركان.
وتتركز المخاوف الجزائرية في أن نجاح هذا التمرد قد يلهم مطالب مشابهة في ولايات الجنوب (تمنراست، أدرار، والهقار)، نظرا للروابط الإثنية والثقافية القوية للطوارق (الأمازيغ الصحراويون) العابرة للحدود، خاصة في ظل وجود شكاوى تاريخية من التهميش التنموي في مناطق غنية بالذهب واليورانيوم والغاز.
تعددية الأعراق تبدد “وهم الدولة القومية”
وفي هذا السياق، فند مصدر أزوادي في تصريحات خاصة لـ “المنشر الاخباري” ما وصفه بـ المغالطة الكبرى في الفضاء الإعلامي العربي التي تختزل أزواد في عرقية “الطوارق” فقط.
وأوضح المصدر: إقليمأزواد يمثل فسيفساء اجتماعية تضم العرب، السونغاي، والفلان جنبا إلى جنب مع الطوارق. وبالمقابل، فإن الجنوب الجزائري ليس حكرا على عرقية واحدة، بل هو فضاء متعدد الهوية ومرتبط عضويا بالدولة المركزية”.
واعتبر المصدر أن التنوع العرقي في كلا الجانبين يجعل من فكرة “الدولة القومية الطارقية” العابرة للحدود أمرا مستحيل التطبيق على أرض الواقع، مؤكدا أن الولاءات السياسية في الجزائر تختلف جذريا عن سياقات الصراع في مالي.
الوطنية الجنوبية: الصخرة التي تتحطم عليها الأوهام
وشدد المصدر لـ “المنشر الإخباري” على أن “الوطنية الجنوبية” هي الحصن المنيع ضد أي اختراق خارجي، مشيرا إلى غياب أي حراك انفصالي حقيقي في الجنوب الجزائري رغم الأزمات المتلاحقة في دول الجوار.
وقال: إن مجرد افتراض أن استقلال أزواد قد يغري سكان الجنوب بالانفصال هو تشكيك غير مقبول في وطنية سكان هذه المناطق الذين دافعوا عن وحدة التراب الجزائري عبر التاريخ.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش الجزائري يفرض سيطرة محكمة على الحدود، معتمدا على أدوات تنموية واستثمارات ضخمة، بالإضافة إلى نظام مراقبة قبلية فعال يمنع أي انزلاق أمني أو فكري نحو الانفصال.
مفارقة تقرير المصير: نموذج الصحراء الغربية
ويبرز التحليل مفارقة هامة عند مقارنة ملف أزواد بملف الصحراء الغربية؛ فالجزائر التي تساند جبهة البوليساريو وحق تقرير المصير للشعب الصحراوي، لم تشهد أي نزعات انفصالية رغم وجود امتدادات لقبائل الصحراء داخل حدودها.
هذا النموذج يثبت أن دعم حق الشعوب في إدارة شؤونها لا يعني بالضرورة “تصدير الفوضى”، طالما أن الجبهة الداخلية متماسكة ومبنية على أسس المواطنة الراسخة.
أزواد كـ حزام أمن بدلا من مصدر خطر
من منظور استراتيجي، يرى الخبراء أن قيام كيان مستقر في أزواد قد يكون “نعمة” لا “نقمة” للجزائر، فأبناء المنطقة هم الأقدر على حماية تضاريسهم الوعرة ومحاربة شبكات التهريب والجريمة المنظمة التي تزدهر في ظل “الفراغ السيادي” الذي تسببت فيه هشاشة المركز في باماكو.
ويختم المصدر الأزوادي قوله بأن “التعامل مع سلطة محلية شرعية ومستقرة في أزواد سيسهل تأمين الحدود المشتركة بشكل يفوق بمراحل ما كان عليه الوضع في ظل الاضطرابات المستمرة”.
بينما يبقى خطر “العدوى” قائما نظريا في كراسات المحللين، فإن الواقع الميداني في نهاية أبريل 2026 يؤكد أن الجزائر تدير الملف بحذر شديد، مراهنة على قوتها العسكرية وتماسكها الاجتماعي.
ويبقى السؤال معلقا حول مدى قدرة حكومة باماكو (المدعومة روسيا) على استعادة السيطرة، أو ما إذا كان استقلال أزواد سيصبح واقعا يفرض على المنطقة خارطة طريق أمنية جديدة.










