فجوة غير مسبوقة بين الأجيال داخل الولايات المتحدة.. والذكاء الاصطناعي في قلب الأزمة
لندن – المنشر الإخبارى
كشف استطلاع دولي أجرته مؤسسة “غالوب” وشمل 141 دولة، أن الولايات المتحدة تسجل أسوأ فجوة في التفاؤل بسوق العمل بين الفئات العمرية مقارنة بجميع الدول المشاركة في الاستطلاع، في مؤشر يعكس تنامي القلق لدى الشباب الأمريكي بشأن فرص التوظيف ومستقبلهم المهني.
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 عامًا هم الأكثر تشاؤمًا تجاه فرص العثور على وظائف، مقارنة بالفئات الأكبر سنًا داخل الولايات المتحدة، وهو ما خلق فجوة عمرية تُعد الأكبر عالميًا في النظرة إلى سوق العمل.
فجوة متزايدة بين الشباب وكبار السن
واعتمد الاستطلاع على قياس نسبة الأشخاص الذين يرون أن الوقت الحالي مناسب للحصول على وظيفة، عبر ثلاث فئات عمرية هي: الشباب من 15 إلى 34 عامًا، ومتوسطي العمر من 35 إلى 54 عامًا، والأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 55 عامًا.
وبيّنت البيانات أن نسبة الشباب الأمريكي المتفائلين بإمكانية العثور على وظيفة خلال عام 2025 بلغت 43% فقط، مقابل 64% لدى الفئة العمرية المتوسطة، ما يعني وجود فجوة تصل إلى 21 نقطة مئوية، وهي الأعلى بين جميع الدول التي شملها الاستطلاع.
وأشار التقرير إلى أن هذه الفجوة لا تظهر بهذا الحجم إلا في عدد محدود جدًا من الدول، بينما يبلغ المتوسط العالمي نحو 10 نقاط فقط، ما يضع الولايات المتحدة في موقع استثنائي من حيث حجم التشاؤم لدى الشباب.
آثار الأزمة الاقتصادية ما زالت حاضرة
ويستعرض الرسم البياني المصاحب للاستطلاع تطور النظرة إلى سوق العمل منذ عام 2007 وحتى 2025، حيث أظهرت البيانات تراجعًا حادًا في ثقة جميع الفئات العمرية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وخلال عام 2009، انخفض تفاؤل الشباب الأمريكي بنسبة 24%، مقارنة بتراجع أقل لدى الفئات الأخرى بلغ 11% و9%، قبل أن تعود المؤشرات إلى الارتفاع تدريجيًا وتبلغ ذروتها بين عامي 2019 و2022، ثم تعود للتراجع مجددًا بحلول 2025.
الذكاء الاصطناعي في دائرة الاتهام
ويربط محللون هذا التشاؤم المتزايد بالتوسع السريع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت تؤثر بشكل مباشر على فرص التوظيف، خصوصًا الوظائف المخصصة للمبتدئين والخريجين الجدد.
وقال كبير المحللين في “غالوب” بنديكت فيغرز، إن جزءًا كبيرًا من هذا التراجع في التفاؤل “مرتبط على الأرجح بتأثيرات الذكاء الاصطناعي”، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا الجديدة بدأت تُعيد تشكيل سوق العمل بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا.
وأضاف أن العديد من الوظائف التقليدية، خصوصًا تلك التي تتطلب مهارات مكتبية أو تعليمًا جامعيًا، أصبحت مهددة بالأتمتة، ما خلق شعورًا واسعًا بعدم اليقين لدى الأجيال الشابة.
“السلم الوظيفي يُقطع من بدايته”
ونقل التقرير عن سام هاينر، البالغ من العمر 23 عامًا والمؤسس المشارك لتحالف الشباب الأمريكي، قوله إن الذكاء الاصطناعي ألغى كثيرًا من الوظائف المخصصة للمبتدئين، مضيفًا أن الشركات أصبحت تعتمد بشكل أكبر على العلاقات الشخصية ورأس المال الاجتماعي بدلًا من الكفاءة والمؤهلات.
وقال هاينر إن “السلم الوظيفي يتم قطعه من بدايته”، في إشارة إلى تراجع الفرص المتاحة للشباب لدخول سوق العمل وبناء مسار مهني تدريجي.
قلق متزايد بين طلاب الجامعات
كما عبّرت أميليا سيكستون، وهي طالبة جامعية تبلغ من العمر 19 عامًا، عن قلقها من التحولات السريعة التي يشهدها سوق العمل بسبب الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن كثيرًا من الطلاب باتوا يشعرون بالحيرة بشأن التخصصات والمسارات المهنية المناسبة.
وقالت إن الشباب “أصبحوا يغيرون ما يريدون فعله، أو حتى ما يضطرون لفعله، فقط من أجل الحصول على وظيفة”، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي.
مقارنة عالمية
وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن معظم دول العالم لا تعاني من هذه الفجوة الحادة، إذ يميل الشباب في العديد من الدول إلى التفاؤل أكثر من الفئات الأكبر سنًا، بعكس ما يحدث في الولايات المتحدة.
وسجلت الصين فجوة بلغت 12 نقطة فقط بين الشباب ومتوسطي العمر، فيما ظهرت فجوات مشابهة في صربيا والإمارات وهونغ كونغ والنرويج، لكنها بقيت أقل بكثير من الفجوة الأمريكية.
منهجية الاستطلاع
واعتمدت “غالوب” في إعداد الدراسة على عينات تمثيلية وطنية شملت أشخاصًا تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر في نحو 140 دولة وإقليمًا حول العالم.
وجُمعت بيانات عام 2025 عبر مقابلات هاتفية وميدانية أجريت بين مارس وديسمبر، بمشاركة نحو ألف شخص في كل دولة، مع هامش خطأ تراوح بين ±2.2 و±5.5 نقطة مئوية.
ويعكس هذا الاستطلاع تصاعد المخاوف داخل الولايات المتحدة من مستقبل الوظائف التقليدية، في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الأجيال الشابة على التكيف مع سوق عمل يتغير بوتيرة غير مسبوقة.










