مصادر دبلوماسية تتحدث عن انفراجة محتملة في العلاقات المصرية السورية بعد وساطة إقليمية، فيما تدرس القاهرة إعادة تقييم مرشح دمشق لمنصب السفير وسط ترتيبات جديدة تراعي الهواجس الأمنية المصرية.
القاهرة – المنشر_الاخباري
انفرجة دبلوماسية مرتقبة بين القاهرة ودمشق
تشير مؤشرات سياسية ودبلوماسية متزايدة إلى إمكانية حدوث تحول في مسار العلاقات بين مصر وسوريا، بعدما كشفت مصادر دبلوماسية مصرية عن مراجعة القاهرة موقفها من اعتماد المرشح السوري لمنصب السفير في القاهرة، محمد طه الأحمد، عقب وساطة قادتها دولة صديقة تربطها علاقات جيدة بالجانبين.
ويأتي هذا التطور بعد سنوات من الفتور الحذر في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث ظل ملف التمثيل الدبلوماسي الكامل واحداً من أبرز الملفات العالقة بين القاهرة ودمشق منذ التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا خلال الأعوام الأخيرة.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن الجهات المصرية المختصة بدأت مراجعة شاملة للملف بهدف تحديد مجموعة من الضوابط والتوصيات التي يمكن نقلها إلى الجانب السوري قبل منح الموافقة النهائية على اعتماد المرشح.
خلفية التحفظات المصرية
تعود أسباب التأخير في اعتماد السفير السوري المقترح إلى تحفظات أمنية أبدتها جهات سيادية مصرية خلال السنوات الماضية.
ووفق مصادر مطلعة، فإن هذه التحفظات ارتبطت بشبكة العلاقات التي نسجها المرشح السوري محمد طه الأحمد خلال فترة دراسته في مصر، فضلاً عن ارتباطاته بعدد من الشخصيات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر وخارجها.
وتتعامل القاهرة بحساسية شديدة مع أي ملفات تتعلق بالجماعة التي تصنفها السلطات المصرية تنظيماً إرهابياً، ما جعل الأجهزة المختصة تتعامل بحذر مع ملف الأحمد رغم إصرار دمشق على ترشيحه للمنصب.
وترى بعض الدوائر المصرية أن طبيعة هذه العلاقات السابقة تستوجب ضمانات واضحة تحول دون أي أنشطة أو تحركات قد تُفسر على أنها تمس الأمن القومي المصري أو تتعارض مع توجهات الدولة المصرية في هذا الملف.
لماذا تتمسك دمشق بمحمد طه الأحمد؟
في المقابل، تبدو القيادة السورية متمسكة بترشيح محمد طه الأحمد بشكل خاص، نظراً لما يتمتع به من معرفة عميقة بالشأن المصري.
فالرجل أمضى سنوات في الدراسة بجامعة القاهرة، ما أكسبه فهماً جيداً للمجتمع المصري وطبيعة مؤسساته السياسية والإدارية.
كما يشغل حالياً منصب مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، وهو منصب يمنحه خبرة واسعة في إدارة الملفات العربية والعلاقات الثنائية.
وخلال الأشهر الماضية شارك الأحمد في عدة تحركات دبلوماسية بارزة، من بينها زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة، حيث تولى متابعة عدد من الملفات المشتركة بين البلدين.
وتعتقد دمشق أن هذه الخلفية تجعل منه المرشح الأنسب لإدارة مرحلة جديدة من العلاقات مع مصر.
وساطة إقليمية تقود جهود التقارب
المعطيات الحالية تشير إلى أن دولة عربية أو إقليمية لعبت دور الوسيط بين القاهرة ودمشق خلال الفترة الماضية.
ووفق المصادر، فقد نقلت هذه الدولة رسائل سورية تؤكد استعداد القيادة السورية لمراعاة مختلف المخاوف المصرية، واتخاذ خطوات عملية من شأنها تعزيز الثقة بين الطرفين.
ويبدو أن هذه الرسائل لاقت اهتماماً داخل دوائر صنع القرار في القاهرة، خاصة مع ما وصفته المصادر بتنفيذ دمشق بعض المطالب المصرية المتعلقة بمواطنين مصريين شاركوا سابقاً في أنشطة سياسية وعسكرية داخل الأراضي السورية.
وتُنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها مؤشراً على رغبة سورية في إزالة العقبات التي تعرقل استعادة العلاقات الدبلوماسية بصورة كاملة.
القاهرة تؤجل تعيين سفير لها في دمشق
رغم الحديث عن انفراجة محتملة في ملف السفير السوري، فإن القاهرة لا تبدو مستعجلة لإعادة مستوى التمثيل الدبلوماسي الكامل من جانبها.
فبحسب المصادر، شهدت الأشهر الأخيرة مشاورات داخل مؤسسات الدولة المصرية بشأن إمكانية تعيين سفير مصري جديد لدى سوريا، إلا أن هذه المشاورات انتهت إلى تأجيل الخطوة في الوقت الراهن.
ومن المتوقع أن يستمر التمثيل المصري في دمشق على مستوى قائم بالأعمال فقط خلال المرحلة المقبلة، إلى حين اتضاح مسار العلاقات الثنائية بشكل أكبر.
ويرى مراقبون أن هذا القرار يعكس رغبة مصرية في اختبار جدية الجانب السوري قبل الانتقال إلى خطوات أكثر تقدماً في مسار التطبيع الدبلوماسي الكامل.
الشرع يدعو إلى شراكة استراتيجية مع مصر
في سياق متصل، كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد وجه خلال الأشهر الماضية رسائل إيجابية تجاه القاهرة، مؤكداً أهمية العلاقات بين البلدين.
ووصف الشرع العلاقة السورية المصرية بأنها “ليست ترفاً وإنما واجب”، مشدداً على أن التكامل بين البلدين يشكل عنصراً أساسياً لاستقرار المنطقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
وأكد الرئيس السوري أن التاريخ أثبت أهمية التنسيق بين القاهرة ودمشق في مواجهة التحديات الإقليمية المختلفة، معتبراً أن أي تقارب بين البلدين ينعكس إيجاباً على الأمن العربي المشترك.
وتعكس هذه التصريحات رغبة سورية واضحة في إعادة بناء العلاقات مع مصر باعتبارها إحدى القوى الرئيسية في المنطقة العربية.
متغيرات إقليمية تدفع نحو التقارب
يرى خبراء في الشؤون الإقليمية أن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة ساهمت في خلق بيئة أكثر ملاءمة للتقارب بين القاهرة ودمشق.
فمع تراجع حدة بعض الصراعات الإقليمية، وعودة سوريا تدريجياً إلى محيطها العربي، أصبحت العديد من الدول العربية أكثر انفتاحاً على إعادة بناء علاقاتها مع دمشق.
كما أن التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة تدفع العواصم العربية إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون والتنسيق.
وفي هذا السياق، قد يمثل حل أزمة اعتماد السفير السوري خطوة رمزية مهمة تمهد لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية.
هل يفتح الملف صفحة جديدة؟
رغم استمرار بعض التحفظات والملفات العالقة، فإن المؤشرات الحالية توحي بوجود إرادة سياسية لدى الجانبين لتجاوز العقبات السابقة.
وتبقى مسألة اعتماد السفير السوري اختباراً عملياً لمدى قدرة القاهرة ودمشق على بناء الثقة المتبادلة وفتح قنوات تعاون أكثر استقراراً.
فإذا نجحت المفاوضات الحالية في الوصول إلى صيغة مرضية للطرفين، فقد تشهد الأشهر المقبلة تطورات إضافية تشمل توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين البلدين.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، يبدو أن العلاقات المصرية السورية تقف اليوم أمام فرصة جديدة قد تفتح الباب أمام إعادة رسم ملامح التعاون بين دولتين لعبتا تاريخياً أدواراً محورية في المنطقة العربية.










