في خطوة استراتيجية تعكس عمق التحالف العسكري بين البلدين، أعلنت بولندا، الأربعاء، تقدمها بطلب رسمي إلى الولايات المتحدة لإنشاء قاعدة عسكرية أميركية دائمة على أراضيها.
ويأتي هذا التحرك البولندي، الذي سلطت الضوء عليه مجلة “بوليتيكو”، مستفيداً من الزخم الذي أحدثه قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإرسال خمسة آلاف جندي أمريكي إضافي إلى البلاد، في وقت يشهد فيه المشهد الأمني الأوروبي تساؤلات حول طبيعة الالتزام العسكري الأمريكي في القارة.
مبادرة وارسو لتعزيز الشراكة الأمنية
وعبر منصة “إكس”، أعلن وزير الدفاع البولندي، فلاديسواف كوسينياك كاميش، عن الخطوة قائلاً: “قدمت إلى وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث مقترحاً رسمياً لإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية جديدة ودائمة في بولندا”، مشدداً على أن “انخراط الولايات المتحدة في أمن بولندا لا يتراجع، بل قد يصبح أكبر من ذلك”.
وخلال مؤتمر صحافي لاحق، أشار كوسينياك كاميش إلى أن المشاورات لا تزال جارية، مؤكداً أن وارسو ستبذل “كل ما في وسعها” لتوسيع هذا الوجود، وأن المسؤولين يعملون حالياً على وضع التفاصيل الدقيقة مع نظرائهم الأمريكيين.
تحديات وقرارات مفاجئة
يأتي هذا الطلب في وقت حساس، حيث لا تزال أصداء قرار وزير الحرب الأمريكي، بيت هيجسيث، بإلغاء إرسال 4 آلاف جندي إلى بولندا في اللحظة الأخيرة تتردد في أروقة البنتاغون وبين الحلفاء الأوروبيين، وهو القرار الذي أثار انتقادات واسعة داخل الكونجرس الأمريكي.
إحياء حلم “فورت ترمب”
هذا المسعى البولندي يعيد إحياء طموح جيوسياسي قديم يعود لعام 2018، حين اقترحت وارسو خلال الولاية الأولى لترامب إنشاء قاعدة دائمة تحت اسم “فورت ترمب”، عارضةً تمويلاً يصل إلى ملياري دولار. ورغم أن تلك المبادرة لم ترَ النور حينها، إلا أن التواجد العسكري الأمريكي في بولندا شهد توسعاً مطرداً ليصل حالياً إلى نحو 10 آلاف جندي، بالإضافة إلى حامية دائمة وقاعدة للدفاع الصاروخي.
تجاذبات سياسية ومشهد متغير
وتجري هذه التحركات وسط تجاذبات سياسية معقدة؛ فبينما تتجه إدارة ترامب نحو إعادة هيكلة وجودها العسكري في أوروبا، يبرز التباين في المواقف داخل بولندا نفسها.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس البولندي اليميني، كارول ناوروكي، المقرب أيديولوجياً من ترامب، إلى الضغط لزيادة القوات الأمريكية في بلاده على حساب ألمانيا، يتبنى رئيس الوزراء الوسطي دونالد توسك مقاربة مختلفة. ومع ذلك، حظي إعلان واشنطن في مايو الماضي بنقل مزيد من القوات بترحيب عريض، حيث أشاد توسك بالقرار، بينما جدد ناوروكي امتنانه لترامب على “صداقته تجاه بولندا”.
إن سعي وارسو لتثبيت أقدام القوات الأمريكية على أراضيها ليس مجرد طلب عسكري، بل هو رهان سياسي كبير في مرحلة تعيد فيها الولايات المتحدة تعريف التزاماتها الدولية، حيث تظل بولندا حريصة على ترسيخ مكانتها كـ “حليف نموذجي” في عيون الإدارة الأمريكية الحالية.








