سادت حالة من الصدمة العميقة والاستياء الواسع في الأوساط التونسية، بعد تداول مقاطع فيديو توثق اعتداءات وحشية قام بها عدد من التونسيين ضد مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
هذه المقاطع، التي انتشرت كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، أظهرت ممارسات وصفت بـ”الإجرامية” و”العنصرية البغيضة”، مما دفع النشطاء والحقوقيين إلى دق ناقوس الخطر بشأن تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية للمهاجرين في البلاد.
تفاصيل الاعتداء وتوثيق “عار” جديد
يظهر أحد المقاطع الصادمة مجموعة من الأشخاص يقتحمون منزلا يقطنه مهاجرون، حاملين أسلحة بيضاء، حيث قاموا بالاعتداء على عائلة مهاجرة، شمل زوجا وزوجته الحامل.
وبلغت الوحشية مداها حين أقدم المعتدون على تعرية المرأة تحت التهديد، والتحرش بها جنسيا عن طريق اللمس في أماكن حساسة، وسط صراخ واستغاثة الضحايا.
الناشطة الحقوقية أسرار بن جويرة اعتبرت في تدوينة لها أن ما حدث “عار لا يغتفر”، مشيرة إلى أن “النظام الحالي استباح القمع والعنصرية واستباح اغتصاب النساء”.
وانتقدت بن جويرة ما وصفته بـ “صمت النيابة العمومية” التي تتحرك بسرعة تجاه تدوينات المعارضين، بينما تغض الطرف عن جرائم توثق بالصوت والصورة، وتتضمن اعتداءات جنسية وتنكيلا بالإنسان.
تحريض ممنهج وغياب للدولة
من جانبها، أوضحت الناشطة شيماء بوهلال أن الفيديوهات تظهر توثيق المعتدين لجرائمهم بوجوه مكشوفة، في إشارة إلى شعور هؤلاء بـ “الإفلات من العقاب”.
وأشارت بوهلال إلى أن التحريض ضد المهاجرين لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة خطاب متصاعد تغذيه حسابات وهمية وأطراف تسعى لتأجيج الفتنة من خلال ترويج أخبار زائفة ونسب جرائم للمهاجرين لتعميم خطاب الكراهية، خاصة بعد توقيع اتفاقيات الهجرة التي زادت من حدة الاحتقان.
في السياق ذاته، أكد الإعلامي هيثم المكي أن الدولة التونسية تبدو “متفرغة لملاحقة الصحفيين والمعارضين”، بينما تترك الشارع لحالة من “الفوضى البدائية” حيث يسود منطق القوة على منطق القانون.
وأشار إلى أن غياب الردع الرسمي شجع هذه المجموعات على ممارسة العنف دون خوف من الملاحقة القانونية.
تحذيرات من “تآكل الإنسانية”
الناشط الحقوقي رمضان بن عمر أرجع هذه الأزمات إلى “الخطاب السياسي التبريري” والإفلات من العقاب، مؤكدا أن ما يواجهه المهاجرون ليس مجرد تصرفات فردية، بل هو انعكاس لنمط متوحش يهدد النسيج المجتمعي التونسي.
وناشد بن عمر بضرورة “إنقاذ ما تبقى من إنسانية” داخل المجتمع، بعيدا عن خطابات التخوين والتشكيك التي تواجه كل من ينتقد هذه الممارسات.
الصحفي بسام بونني عبر عن استهجانه لما وصفه بـ “الرعب والإهانة”، محملا النظام المسؤولية الكاملة عن سلامة المهاجرين على الأراضي التونسية، ومحذرا من التداعيات الدبلوماسية والأخلاقية لهذا الملف على صورة تونس في الخارج.
خلفية التوتر: بين الضغوط الاقتصادية وخطاب الكراهية
تعاني تونس منذ سنوات من أزمة اقتصادية حادة زادت من تعقيد ملف الهجرة غير النظامية، حيث تستخدم البلاد كنقطة عبور نحو أوروبا. هذا الضغط أدى إلى تصاعد خطاب الكراهية في بعض الأوساط، وتحول المهاجرون إلى “كبش فداء” للأزمات المتراكمة.
وفي حين تشير تقارير إلى وقوع بعض التجاوزات من قبل بعض المهاجرين، إلا أن الرد عليها لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال عبر “العنف الميليشياوي” أو الاعتداءات الجنسية التي تخرق كل المواثيق الدولية والدين والأعراف التونسية.
المطالبة بالتحرك الفوري
تجمع المنظمات الحقوقية التونسية والدولية على أن الحل لا يكمن في استمرار الصمت الرسمي أو الاكتفاء بترحيل المهاجرين، بل فتح تحقيقات جدية ومستقلة في الفيديوهات المنتشرة وتقديم المعتدين للقضاء فورا.
وضرورة صدور موقف رسمي واضح من رئاسة الجمهورية والحكومة يرفض العنف والعنصرية ويؤكد علوية القانون، وضمان توفير الحد الأدنى من الحماية الأمنية والإنسانية للمهاجرين، بعيدا عن منطق الغاب.
وكذلك ملاحقة الحسابات والصفحات التي تمارس التحريض الممنهج على الكراهية والعنف عبر منصات التواصل.










