تشهد العاصمة الليبية طرابلس حالة من الاحتقان الشعبي المتصاعد، حيث خرجت مظاهرات حاشدة خلال الأيام الماضية، تركزت بشكل خاص أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في منطقة “السراج”، تعبيرا عن رفض الشارع الليبي القاطع لأي مشاريع تهدف إلى توطين المهاجرين غير النظاميين أو إدماجهم في النسيج الاجتماعي الليبي.
تصعيد ميداني أمام المقار الأممية
تحولت الاحتجاجات من وقفات سلمية إلى إجراءات تصعيدية، حيث قام المتظاهرون بإغلاق مقر مفوضية اللاجئين في منطقة السراج بساتر ترابي، في خطوة رمزية تؤكد مطالبهم بضرورة إنهاء تواجد هذه المفوضية في البلاد.
ولم يكتف المحتجون بذلك، بل انتقلوا إلى مقر بعثة الأمم المتحدة في منطقة “جنزور”، حيث اقتحم عدد منهم المقر مطالبين بمغادرة البعثة البلاد فورا، رافعين شعارات حادة مثل “ليبيا لليبيين”، “لا للتوطين”، و”لا لتغيير الهوية الوطنية”.
مواقف شعبية وحراك “بالتريس”
أصدر “حراك بالتريس” الشبابي بيانا شديد اللهجة أكد فيه رفضه التام لأي مخططات دولية تسعى لاستخدام الأراضي الليبية كطرف ثالث لاستيعاب المهاجرين، سواء بشكل دائم أو مؤقت.
ومن جانبه، أعلن “المجلس الاجتماعي لمنطقة السراج” تضامنه مع هذه المطالب، مؤكدا في الوقت ذاته التمييز بين العمالة الوافدة التي تلتزم بالقوانين والأنظمة الليبية، وبين المهاجرين غير النظاميين الذين يشكل تواجدهم المتزايد تهديدا للأمن الديموغرافي والاجتماعي.
تأتي هذه التحركات في ظل انتشار شائعات واسعة حول وجود مخططات دولية لمنح تصاريح إقامة دائمة للمهاجرين، وهو ما زاد من مخاوف المواطنين الذين يرون في وجود تجمعات سكنية وأسواق خاصة بالمهاجرين في بعض المدن “مؤشرا خطيرا” على تحول ليبيا من دولة عبور إلى دولة استقرار وتوطين قسري.
الموقف الرسمي والرد الأممي
على الصعيد الرسمي، اتخذت السلطات الليبية موقفا متناغما مع نبض الشارع؛ حيث أكد مسؤولون في وزارة الداخلية، وفي مقدمتهم عماد الطرابلسي، أن ليبيا ليست وجهة نهائية للاجئين، وأن الدولة عازمة على تفعيل برامج الترحيل الوطني وضبط الحدود بشكل حازم لحماية السيادة والأمن القومي.
في المقابل، سعت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى احتواء الغضب الشعبي عبر نفي قاطع لوجود أي خطط لتوطين المهاجرين في ليبيا.
وأكدت في بيانات متكررة أن دورها يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية وحماية الفئات المستضعفة، وفقا للمواثيق الدولية، مشيرة إلى أن عملياتها تهدف في الأساس إلى إعادة توطين اللاجئين في “دول ثالثة” وليس في ليبيا.
أزمة مركبة وحلول غائبة
تعكس هذه الأحداث تعقيدات الملف الليبي، حيث تواجه البلاد ضغوطا دولية (أوروبية تحديدا) لضبط تدفق المهاجرين، تتقاطع مع أزمة اقتصادية وأمنية داخلية.
وفي الوقت الذي تبرز فيه أصوات تنادي بالحاجة للعمالة الوافدة في قطاعات المزارع والمصانع، يظل الإجماع الشعبي قائما على أن “السيادة الوطنية” و”الهوية” خطوط حمراء.
ويبقى الوضع في طرابلس متوترا، مع استمرار التجمعات والاحتجاجات التي تضع الحكومة أمام تحد كبير: الموازنة بين الالتزام بالمعايير الإنسانية الدولية، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي ومنع أي تهديد ديموغرافي يمس مستقبل البلاد.










