بيروت – المنشر الإخبارى
في وقت تتواصل فيه المواجهات والتوترات على الحدود اللبنانية مع إسرائيل، عاد ملف التطبيع إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي في لبنان، وسط اتهامات متصاعدة بوجود حملة منظمة تهدف إلى تهيئة الرأي العام لتقبل إقامة علاقات مباشرة مع تل أبيب، في تحول قد يشكل أحد أكبر الانعطافات السياسية في تاريخ البلاد الحديث.
وتثير هذه الاتهامات تساؤلات حول الجهات التي تقف خلف تنامي الخطاب الداعي إلى التطبيع داخل لبنان، وما إذا كانت التحولات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها التقارب غير المعلن بين السعودية وإسرائيل، تلعب دوراً في إعادة رسم المشهد السياسي اللبناني.
تصاعد غير مسبوق للخطاب المؤيد للتطبيع
خلال الأشهر الأخيرة، برزت في وسائل إعلام لبنانية ومنصات رقمية شخصيات سياسية وإعلامية تدعو إلى مراجعة الموقف التقليدي من إسرائيل، معتبرة أن الظروف الإقليمية والاقتصادية الراهنة تستدعي مقاربات جديدة للعلاقات الخارجية.
ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يمثل تحولاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة، حين كان مجرد الحديث عن التطبيع مع إسرائيل يُعد من المحرمات السياسية في لبنان، الذي لا يزال رسمياً في حالة حرب مع الدولة العبرية.
ويشير أصحاب هذا التوجه إلى أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان، والانهيار المالي المستمر منذ سنوات، يفرضان البحث عن خيارات جديدة للخروج من المأزق الحالي، حتى وإن كانت مثيرة للجدل.
أصابع الاتهام تتجه نحو الرياض
في موازاة ذلك، تتصاعد اتهامات داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية بأن السعودية تمارس نفوذاً متزايداً داخل لبنان بهدف دفعه تدريجياً نحو خيارات سياسية تتماشى مع التغيرات الإقليمية الجارية.
وتستند هذه الاتهامات إلى عودة الحضور السعودي بقوة إلى الساحة اللبنانية بعد سنوات من التراجع، سواء عبر الدعم السياسي أو من خلال العلاقات الوثيقة مع شخصيات وأحزاب لبنانية بارزة.
ويرى منتقدو هذا الدور أن الرياض تسعى إلى تعزيز نفوذ القوى السياسية المتحالفة معها داخل لبنان، بما يساهم في إحداث تحولات استراتيجية في سياسات الدولة اللبنانية، خصوصاً تجاه ملفات الصراع مع إسرائيل وسلاح حزب الله.
في المقابل، تنفي أطراف مقربة من السعودية وجود أي مشروع من هذا النوع، معتبرة أن الهدف الأساسي للرياض يتمثل في دعم استقرار لبنان وتعزيز مؤسسات الدولة بعيداً عن أي أجندات أخرى.
المفاوضات المباشرة تفتح باب التساؤلات
وجاءت هذه النقاشات بالتزامن مع انخراط لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل حول ملفات حدودية وأمنية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً داخل البلاد.
فبينما تصف الحكومة اللبنانية هذه المحادثات بأنها تقنية ومحصورة بقضايا محددة، تعتبرها أطراف معارضة خطوة قد تمهد لتطبيع أوسع في المستقبل.
ويزداد الجدل حدة بسبب استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي يدفع خصوم التطبيع إلى التساؤل حول جدوى أي حوار سياسي أو أمني في ظل استمرار التوترات العسكرية.
الإعلام في قلب المعركة
يلعب الإعلام اللبناني دوراً محورياً في هذا السجال، إذ يتهم منتقدو التطبيع بعض المؤسسات الإعلامية بالترويج لخطاب أكثر انفتاحاً تجاه إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو عبر استضافة شخصيات تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة الصراع.
ويقول متابعون إن معركة الرأي العام أصبحت اليوم أحد أهم ميادين الصراع السياسي في لبنان، حيث تتنافس القوى المختلفة على التأثير في المزاج الشعبي ورسم ملامح المرحلة المقبلة.
كما يتحدث مراقبون عن دور متزايد لرجال أعمال ومؤسسات إعلامية خاصة في تشكيل النقاش العام حول القضايا الإقليمية الحساسة، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل.
انقسام داخلي حول مستقبل لبنان
وتكشف هذه التطورات عن انقسام عميق داخل الساحة اللبنانية بين فريق يرى أن الأولوية يجب أن تكون لإنقاذ الاقتصاد وإعادة دمج لبنان في المنظومة العربية والدولية، وفريق آخر يعتبر أن أي خطوة نحو التطبيع تمثل تنازلاً عن ثوابت تاريخية مرتبطة بالقضية الفلسطينية والسيادة الوطنية.
ويؤكد مراقبون أن لبنان يختلف عن دول عربية أخرى أقامت علاقات رسمية مع إسرائيل، نظراً لوجود حدود مباشرة بين الجانبين واستمرار النزاع حول أراضٍ متنازع عليها، فضلاً عن الدور الذي يلعبه حزب الله في المعادلة الأمنية والسياسية اللبنانية.
هل يقترب لبنان من لحظة التحول؟
ورغم تصاعد الجدل، لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية على وجود قرار لبناني بالتوجه نحو التطبيع مع إسرائيل. إلا أن اتساع مساحة النقاش حول هذا الملف يعكس حجم التحولات التي تشهدها المنطقة منذ اتفاقيات التطبيع العربية، ويطرح أسئلة جدية حول مستقبل التوازنات السياسية في لبنان.
ومع استمرار الصراعات الإقليمية وتغير أولويات القوى الدولية والإقليمية، يبقى السؤال مطروحاً: هل يشهد لبنان في السنوات المقبلة تحولاً جذرياً في موقفه من إسرائيل، أم أن تعقيدات الواقع اللبناني ستبقي هذا الملف ضمن دائرة الجدل السياسي دون أن يتحول إلى سياسة رسمية؟










