تحركات غير معلنة بين العواصم الكبرى تعيد فتح ملف اختيار الأمين العام للأمم المتحدة وسط حديث عن مرحلة مبكرة من التوافقات السياسية خارج الإطار الرسمي
باريس – المنشر الإخبارى
في الوقت الذي يتجه فيه النظام الدولي نحو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين النفوذ، بدأت ملامح سباق اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة تأخذ طابعاً أكثر تعقيداً، مع انتقال النقاشات من المسار العلني داخل أروقة المنظمة في نيويورك إلى تفاهمات غير رسمية تُدار بين العواصم الكبرى، في ما يصفه دبلوماسيون بـ”مرحلة الترتيب الخفي”.
وبحسب معطيات دبلوماسية متقاطعة، فإن هذه المرحلة لا تُدار عبر الإعلانات الرسمية أو الترشيحات المعلنة فقط، بل من خلال شبكة اتصالات سياسية هادئة تشمل لقاءات ثنائية، ومشاورات خلف الأبواب المغلقة، تهدف إلى اختبار أسماء مرشحين محتملين ومدى قبولهم لدى القوى المؤثرة، وعلى رأسها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.
في هذا السياق، عاد اسم الرئيس السنغالي السابق ماكي سال إلى دائرة النقاش، بوصفه أحد الشخصيات الإفريقية التي تحظى باهتمام متزايد داخل بعض الدوائر الدبلوماسية، خصوصاً بعد ظهوره في لقاءات واتصالات سياسية رفيعة المستوى، من بينها لقاء في قصر الإليزيه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
الإليزيه كمنصة لإعادة التموضع الدبلوماسي
لقاء ماكي سال في باريس لم يُقدَّم رسمياً باعتباره خطوة تتعلق بترشيح مباشر، لكنه اكتسب أهمية سياسية باعتباره جزءاً من حراك أوسع يرتبط بمستقبل قيادة الأمم المتحدة، في ظل رغبة متزايدة لدى عدد من الدول الأوروبية في التأثير على ملامح التوافق القادم حول منصب الأمين العام.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن فرنسا، باعتبارها أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، تتابع عن كثب مسار المشاورات غير الرسمية، وتلعب دوراً في فتح قنوات تواصل مع شخصيات سياسية دولية، خصوصاً من القارة الإفريقية، في إطار نقاش أوسع حول ضرورة تعزيز التوازن الجغرافي داخل القيادة الأممية.
ماكي سال: من رئاسة السنغال إلى الدبلوماسية الدولية
يُنظر إلى ماكي سال، الذي قاد السنغال بين عامي 2012 و2024، بوصفه شخصية سياسية تمتلك خبرة تنفيذية ودبلوماسية ممتدة، جعلته لاعباً إقليمياً مؤثراً داخل غرب إفريقيا وخارجها.
وخلال فترة حكمه، ركز على ملفات التنمية والبنية التحتية وتعزيز الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب دور نشط في القضايا الإفريقية، خصوصاً في منطقة الساحل، حيث شارك في جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
كما نسج علاقات واسعة مع قوى دولية متعددة شملت أوروبا والولايات المتحدة والصين، وهو ما يمنحه، وفق تقديرات دبلوماسية، قدرة نسبية على التحرك داخل التوازنات الدولية المعقدة المرتبطة بسباق الأمم المتحدة.
ومنذ مغادرته السلطة عام 2024 في انتقال سياسي سلمي إلى الرئيس باسيرو ديوماي فاي، لم يغب اسمه عن المشهد الدبلوماسي، بل ظهر في عدد من اللقاءات والاتصالات الدولية التي يُنظر إليها اليوم ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تموضع شخصيات سياسية إفريقية في الملفات الأممية.
نيويورك ليست البداية.. بل نهاية المسار
رغم أن التصويت الرسمي لاختيار الأمين العام يتم داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فإن مصادر دبلوماسية تؤكد أن المرحلة الحاسمة من العملية تُحسم فعلياً قبل الوصول إلى التصويت، عبر تفاهمات غير معلنة داخل مجلس الأمن، حيث تمتلك الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض (الفيتو).
هذا الواقع يجعل من “القبول المسبق” شرطاً أساسياً لأي مرشح، ويحول السباق إلى عملية معقدة من التوازنات السياسية، تُدار في الغالب بعيداً عن الإعلام، ضمن ما يُعرف داخل الأوساط الدبلوماسية بـ”الترتيب الخفي”.
مرحلة اختبار الأسماء والتوافقات
في هذه المرحلة، يتم تداول أسماء عدة شخصيات دولية لاختبار مدى قبولها لدى العواصم المؤثرة، دون الدخول في إعلان ترشيحات رسمية مبكرة، وهو ما يسمح بقياس ردود الفعل السياسية وتفادي الاصطفافات المبكرة.
ويُطرح اسم ماكي سال ضمن هذه الدائرة باعتباره شخصية إفريقية ذات حضور سياسي ودبلوماسي، يمكن أن تلعب دور “مرشح توافق” في حال توافرت إرادة دولية لإعادة توزيع التمثيل الجغرافي داخل المنظمة.
لكن في المقابل، لا يزال الطريق إلى الترشح الرسمي غير محسوم، في ظل غياب إعلان واضح من الدول الإفريقية أو المؤسسات الإقليمية بشأن دعم موحد لأي اسم حتى الآن.
إفريقيا وملف التمثيل داخل الأمم المتحدة
يتجدد النقاش داخل القارة الإفريقية حول ضرورة تعزيز فرصها في تولي المناصب القيادية داخل الأمم المتحدة، خاصة منصب الأمين العام، باعتباره أحد أبرز رموز التوازن الدولي.
غير أن الانقسام السياسي بين الدول الإفريقية، وتعدد الحسابات الإقليمية، يحدّ من إمكانية التوافق على مرشح واحد، ما يفتح المجال أمام تحركات فردية لشخصيات سياسية بارزة مثل ماكي سال.
خاتمة: سباق مفتوح على كل الاحتمالات
بين الإليزيه ونيويورك، وبين اللقاءات العلنية والمشاورات غير المعلنة، يتشكل سباق دبلوماسي حساس لا يزال في مراحله الأولى، لكنه يكشف عن تحولات عميقة في طريقة إدارة التوافقات داخل النظام الدولي.
وفي هذا المشهد، يبقى اسم ماكي سال أحد العناصر المطروحة على طاولة النقاش، دون أن يكون قد دخل رسمياً سباق الترشيحات، في انتظار ما ستكشفه الأسابيع المقبلة من توازنات قد تعيد رسم خريطة القيادة داخل الأمم المتحدة.










