شدد الرئيس اللبناني، الأربعاء، على تمسكه الحاسم وبشكل قاطع بمستقبل مسار المفاوضات السياسية الجارية مع إسرائيل برعاية أمريكية في العاصمة واشنطن، مؤكداً استمراره في هذا المسار الدبلوماسي “حتى النهاية”.
وجاءت هذه المواقف البارزة للرئيس خلال استقباله في قصر الرئاسة شرقي العاصمة بيروت، وفداً موسعاً يمثل بلديات قضاء كسروان الفتوح بمحافظة جبل لبنان، وذلك بحسب ما جاء في بيان رسمي صادر عن المديرية العامة للرئاسة اللبنانية.
وأوضح الرئيس اللبناني في حديثه أن الهدف الأساسي والجوهري من خوض هذه المفاوضات الصعبة يتلخص في “استعادة الدولة اللبنانية لوجودها الفاعل وهيبتها الكاملة، بحيث لا يبقى اللبنانيون تابعين لأي طرف كان، سواء أكان ذلك من خلال فرض سلطة وصاية خارجية، أو عبر قيام أي طرف آخر بالتفاوض باسمنا نيابة عن الدولة”.
رفض التدخلات الخارجية والتمسك بالسيادة الوطنية
تابع الرئيس مؤكداً على الهوية السيادية للبلاد: “نحن أصحاب قرار مستقل، ولبنان دولة ذات سيادة كاملة وبلد له كيانه الخاص ومقدراته التاريخية، وشعبه العظيم الذي لطالما كانت له إسهامات مشهودة في نهضة العديد من البلدان حول العالم، وهو قادر تماماً اليوم على الإسهام بفاعلية في إعادة إعمار ونهضة بلاده من جديد”.
وفي سياق متصل، رحب الرئيس بالمساعدات الخارجية المشروطة باحترام القرار الوطني، قائلاً: “نرحب بمساعدة أي دولة شقيقة أو صديقة، لكن الفارق يبقى كبيراً وشاسعاً بين تقديم المساعدة الصادقة وبين التدخل السافر في الشأن الداخلي اللبناني لمصلحة أي دولة أخرى على حساب المصلحة الوطنية العليا للبنان، وهو أمر نرفضه جملة وتفصيلاً ولا يمكن أن نقبله بأي حال من الأحوال”.
وأشار إلى أن هناك الكثير من الدول التي يرحب لبنان بدعمها، بدءاً من دول الخليج العربي وصولاً إلى الدول الأوروبية وغيرها، مستدركاً بأن الشرط الأساسي لهذا التعاون هو عدم التعاطي بالشؤون الداخلية اللبنانية بهدف تحقيق مصالح طائفية أو سياسية خاصة بتلك الدول.
قناعة راسخة بعبثية الحروب وأولوية الحلول الدبلوماسية
أردف الرئيس اللبناني مفسراً خلفيات قراره الشجاع: “لقد اتخذت قرار المفاوضات بوعي وطني كامل وسأكمل فيه حتى النهاية، لأن لبنان عضو مؤسس في منظمة الأمم المتحدة وله كيانه وسيادته المعترف بها دولياً، وانطلاقاً كذلك من قناعتي الراسخة بأن الحروب العسكرية لا تحقق أي نتيجة إيجابية مستدامة، بل هي لا تخلف وراءها سوى الخسائر والدمار الفادح الذي يشترك فيه الجميع دون استثناء”.
وتأتي هذه التصريحات السياسية الهامة في وقت تخوض فيه بيروت وتل أبيب عدة جولات تفاوضية شاقة في واشنطن، حيث من المقرر عقد جولة جديدة ومصيرية خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو الجاري، وذلك في محاولة جادة لإنهاء الصراع الدائر وبناء أسس متينة للاستقرار المستقبلي.
وبرغم مسار المفاوضات القائم واتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي بدأ سريانه في 17 أبريل الماضي، تواصل إسرائيل عدوانها المستمر على الأراضي اللبنانية والذي بدأ في 2 مارس الماضي، وأسفر حتى الآن عن سقوط 3666 شهيداً ونزوح أكثر من مليون شخص وفق المعطيات الرسمية.
كما تحتل إسرائيل مناطق واسعة في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، وتوغلت لمسافة تزيد على 10 كيلومترات.
وحدة الصف الداخلي والتوافق بين الرئاسات الثلاث
في إطار تعزيز الوحدة الوطنية، التقى الرئيس اللبناني شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، وممثلين عن رؤساء الطوائف الإسلامية والمسيحية في لبنان، حيث صرح أمام الوفد الروحي: “لا يمكن للبنانيين العيش خارج إطار الدولة الشرعية ومؤسساتها الرسمية، وهو ما أثبتته التجارب التاريخية المريرة، وإلا فإن أي خيار آخر سيكون بمثابة خطيئة كبرى بحق الوطن”. وأضاف: “إن سلاحنا الحقيقي والأقوى في هذه المرحلة ليس السلاح التقليدي، بل هو وحدتنا الوطنية المتماسكة التي تجسدونها اليوم، ولقاؤكم المشترك هذا جاء رداً حاسماً على البعض الذي يحاول التلميح إلى وجود صراع بين الأديان والمذاهب المختلفة في لبنان”.
وشدد على أن “لبنان لا يمكن أن يعيش إلا بجناحيه المقيمين المسيحي والمسلم، ويجب علينا جميعاً أن نقف سداً منيعاً في وجه المروجين للفتن الطائفية والمذهبية البغيضة”.
وأردف قائلاً: “إن كل ما نقوم به في الوقت الراهن نابع من هدف وطني واحد ومحدد، وهو: وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتحقيق انسحاب إسرائيل الكامل، وتأمين عودة النازحين والأسرى، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب ليتولى وحده دون غيره مسؤولية الأمن، والبدء الفوري في عملية إعادة الإعمار”.
وتساءل مستنكراً الهجوم المسبق على التسوية: “لماذا لا تُعطى فرصة حقيقية للمفاوضات الجارية لرؤية ما يمكن أن تحققه من إنجازات على الأرض، ثم تتم المحاسبة والتقييم بناءً على النتائج، وليس قبل أن تبدأ المفاوضات كما يقال أحياناً من توجيه اتهامات باطلة بالتقصير أو الاستسلام؟”.
وعن التنسيق السياسي الداخلي، قال: “أنا على توافق تام وتنسيق مستمر مع رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، والعلاقة بيننا ممتازة وتكاملية، وأي اختلاف طبيعي في وجهات النظر يصب في مصلحة العمل”.
وشدد في الختام على أن “استعادة الدولة لدورها المحوري وتعزيز مؤسساتها الرسمية هو الضمانة الوحيدة التي تحفظ الأمن والاستقرار، وتعزز الاقتصاد والقضاء، وتصون الوحدة الداخلية في مواجهة التحديات”.










