استطلاع أوروبي يكشف تحوّلاً استراتيجياً في النظرة إلى واشنطن وسط سياسات ترامب والتوترات الدولية
واشنطن – المنشر_الاخباري
كشف استطلاع رأي أوروبي واسع النطاق عن تراجع غير مسبوق في مستوى الثقة بالولايات المتحدة، حيث أظهرت النتائج أن أقل من 10% من المواطنين في أوروبا باتوا يعتبرون واشنطن “حليفاً”، في مؤشر يعكس تحولاً عميقاً في المزاج السياسي والشعبي داخل القارة تجاه الدور الأميركي العالمي.
ووفقاً للاستطلاع الذي شمل 15 دولة أوروبية، فإن نسبة من ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها حليفاً مباشراً تراجعت إلى نحو 11% فقط، مقارنة بـ16% قبل ستة أشهر و22% في أواخر عام 2024، ما يشير إلى تسارع واضح في تآكل الثقة عبر الأطلسي خلال فترة زمنية قصيرة.
وأوضحت النتائج أن هذا التراجع لا يرتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من السياسات والتوجهات الأميركية الأخيرة، من بينها المواقف المتشددة تجاه الحلفاء الأوروبيين، وإعادة تقييم الالتزامات العسكرية، والجدل المتكرر حول مستقبل حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى السياسات الخارجية التي اتسمت بالتصعيد في أكثر من منطقة.
وأشار الاستطلاع إلى أن غالبية المشاركين في الدول الأوروبية لم يعودوا يعتقدون أن الولايات المتحدة ستقدم دعماً عسكرياً تلقائياً في حال تعرض أي دولة أوروبية لهجوم، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في أحد أهم أسس الأمن الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية.
وبحسب الباحثين القائمين على الدراسة، فإن الولايات المتحدة باتت تُنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها “شريكاً ضرورياً” لا يمكن الاستغناء عنه، لكنها لم تعد تُصنف في أذهان الأوروبيين كحليف موثوق يقوم على القيم المشتركة والالتزامات الأمنية الثابتة.
هذا التحول في الإدراك الشعبي والسياسي داخل أوروبا يأتي في سياق أوسع من إعادة تشكيل العلاقات الدولية، حيث تتزايد الدعوات داخل القارة إلى تعزيز ما يُعرف بـ”الاستقلال الاستراتيجي”، أي تقليل الاعتماد على واشنطن في مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا.
كما أظهرت نتائج الاستطلاع أن هناك دعماً متزايداً لفكرة زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي المشترك، إذ أيد نحو 47% من المشاركين خيار التمويل الجماعي لتعزيز القدرات الدفاعية، مقابل 35% أبدوا معارضة لهذا التوجه، بينما بقيت النسبة المتبقية غير محسومة أو مترددة.
ويعكس هذا الانقسام الداخلي داخل الرأي العام الأوروبي حالة من الجدل السياسي حول مستقبل الأمن في القارة، بين من يرى أن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد خياراً آمناً، ومن يعتقد أن التعاون عبر الأطلسي ما زال ضرورة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها.
وفي المقابل، أشار الاستطلاع إلى أن جزءاً كبيراً من الأوروبيين لا يزال يعتقد أن العلاقات مع الولايات المتحدة قد تتحسن مستقبلاً، خاصة في حال حدوث تغيير في القيادة السياسية الأميركية، ما يعني أن الأزمة الحالية في الثقة لا تُعتبر بالضرورة قطيعة نهائية، بل مرحلة إعادة تقييم عميقة للعلاقة.
ويربط التقرير هذا التراجع في الثقة بمجموعة من التطورات الجيوسياسية العالمية، بما في ذلك التوترات في الشرق الأوسط، والسياسات الأميركية في مناطق النزاع، إضافة إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من إعادة رسم لخرائط التحالفات التقليدية.
كما أشار إلى أن التوترات في مناطق استراتيجية مثل الشرق الأوسط وممرات الطاقة الحيوية، خصوصاً في مضيق هرمز، ساهمت في تعزيز المخاوف الأوروبية من هشاشة الاستقرار العالمي، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية والاقتصادية.
وفي السياق ذاته، يرى محللون أن هذا التراجع في الثقة لا يعكس فقط اختلافاً في وجهات النظر السياسية، بل يشير أيضاً إلى تحول بنيوي في النظام الدولي، حيث لم تعد الولايات المتحدة اللاعب المهيمن الوحيد، في ظل صعود قوى أخرى وتعدد مراكز التأثير.
كما يعتقد خبراء أن السياسات الأميركية الأخيرة، خاصة في ظل إدارة الرئيس الأميركي، ساهمت في تعميق هذا التوجه، بسبب ما يعتبره الأوروبيون “عدم استقرار في الالتزامات” وتغيراً متكرراً في الأولويات الاستراتيجية لواشنطن.
وبينما تتزايد الدعوات داخل أوروبا لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، يظل التحدي الأكبر هو كيفية تحقيق هذا الهدف دون تفكيك مظلة الحماية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي، والذي ما زال يشكل الإطار الأمني الأساسي للقارة.
وفي هذا السياق، يشير الاستطلاع إلى أن أوروبا تقف أمام مرحلة انتقالية حساسة، تتطلب إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة، ليس على أساس التبعية أو القطيعة، بل على أساس شراكة أكثر توازناً وتوزيعاً للمسؤوليات.
ويخلص التقرير إلى أن التراجع في ثقة الأوروبيين بواشنطن لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في النظام العالمي، حيث تتراجع الأحادية القطبية لصالح نظام أكثر تعقيداً وتعددية، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والسياسية.
وبذلك، يبدو أن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي هو “الثقة المشروطة” بدلاً من التحالف المطلق، في وقت تتصاعد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية عالمياً، وتزداد فيه الحاجة إلى إعادة صياغة قواعد التعاون الدولي.










