تقارير: فرنسا وألمانيا تعتبران خدمة العمل الخارجي الأوروبية “معطلة” وتطرحان خطة لإعادة توزيع صلاحياتها بين المفوضية والدول الأعضاء
بروكسل – المنشر الإخباري
تسعى فرنسا وألمانيا إلى إطلاق خطة إصلاح واسعة النطاق لجهاز السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في خطوة قد تؤدي إلى تقليص كبير لصلاحيات الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في التكتل كايا كالاس، وإعادة هيكلة جهاز الخدمة الدبلوماسية الأوروبية بشكل جذري.
ووفقاً لتقارير صحفية نقلتها مصادر أوروبية مطلعة، فإن باريس وبرلين تعتبران أن جهاز العمل الخارجي الأوروبي، المعروف باسم “خدمة العمل الخارجي الأوروبي” (EEAS)، أصبح “غير فعال” ويفشل في الاستجابة للأزمات الدولية المتسارعة، ما دفعهما إلى الدفع باتجاه تغييرات هيكلية عميقة في طريقة عمله وصلاحياته.
جهاز دبلوماسي بميزانية كبيرة وتأثير محدود
تأسس جهاز الخدمة الخارجية للاتحاد الأوروبي عام 2010 بهدف توحيد الصوت الدبلوماسي الأوروبي، ويضم اليوم شبكة تضم أكثر من 140 بعثة دبلوماسية حول العالم، وميزانية سنوية تُقدّر بنحو مليار يورو.
لكن الانتقادات المتزايدة داخل العواصم الأوروبية تشير إلى أن هذا الجهاز لم ينجح في فرض سياسة خارجية موحدة وفعالة في مواجهة الأزمات الدولية الكبرى، بدءاً من الحرب في أوكرانيا وصولاً إلى التوترات في الشرق الأوسط وأزمات الطاقة المتتالية داخل أوروبا.
ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن مسؤولين أوروبيين قولهم إن الهيكل الحالي “لا يعمل كما ينبغي في عالم اليوم”، واصفينه بأنه “معطّل بنيوياً” ويحتاج إلى إعادة بناء شاملة بدل الاكتفاء بإصلاحات جزئية.
مقترح فرنسي–ألماني لإعادة توزيع الصلاحيات
الخطة التي يتم تداولها بين باريس وبرلين تتضمن سحب جزء كبير من صلاحيات الجهاز الدبلوماسي الأوروبي وإعادتها إلى المفوضية الأوروبية أو إلى الدول الأعضاء بشكل مباشر، وهو ما يعني عملياً تفكيك الدور المركزي الذي اكتسبته الخدمة الخارجية منذ إنشائها.
وبحسب هذه المقترحات، فإن السياسة الخارجية الأوروبية قد تعود إلى نمط أكثر تقليدية، يعتمد على تنسيق بين العواصم الوطنية بدلاً من وجود جهاز مركزي قوي يقود الدبلوماسية الأوروبية.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن النظام الحالي يعاني من بطء في اتخاذ القرار وتضارب في المواقف بين الدول الأعضاء، ما يضعف قدرة الاتحاد الأوروبي على التحرك بفعالية في الأزمات الدولية.
انتقادات لأداء كايا كالاس
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى كايا كالاس، التي تشغل منصب الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حيث يرى بعض المسؤولين أنها تتجاوز صلاحياتها أحياناً عبر طرح مواقف قبل توافق الدول الأعضاء عليها.
وتشير تقارير أوروبية إلى أن عدداً من العواصم الأوروبية أعربت عن استيائها من طريقة إدارة السياسة الخارجية، معتبرة أن الأداء الحالي يعكس غياب التنسيق ويزيد من الانقسامات داخل التكتل.
كما نقلت وسائل إعلام أوروبية، بينها صحيفة “إل باييس”، انتقادات لاذعة لأداء القيادة الدبلوماسية في بروكسل، ووصفتها بأنها من “أضعف مراحل القيادة الأوروبية في العقود الأخيرة”، في إشارة إلى التحديات المتراكمة التي تواجه الاتحاد.
صراع داخلي بين المفوضية والخدمة الدبلوماسية
يتزامن هذا الجدل مع تصاعد التنافس بين جهاز الخدمة الخارجية الأوروبية والمفوضية الأوروبية بقيادة أورسولا فون دير لاين، التي تسعى لتعزيز دور المفوضية في رسم السياسة الخارجية للاتحاد.
وتصف فون دير لاين المفوضية بأنها “مفوضية جيوسياسية”، وتسعى إلى توسيع دورها في ملفات الدفاع والسياسة الدولية، خصوصاً في سياق الحرب في أوكرانيا والتوتر مع روسيا.
كما تدرس المفوضية إنشاء وحدة استخباراتية داخل هياكلها، وهي خطوة يعارضها أنصار الخدمة الدبلوماسية الأوروبية، معتبرين أنها ستؤدي إلى مزيد من التشابك المؤسسي داخل بروكسل بدلاً من تحسين الكفاءة.
ملف أوكرانيا يزيد الانقسام
أحد أبرز عوامل التوتر داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي هو ملف الحرب في أوكرانيا، حيث تدفع المفوضية نحو حزمة دعم مالية وعسكرية ضخمة لكييف، تصل قيمتها إلى نحو 90 مليار يورو للفترة 2026–2027.
وتشمل الخطة استخدام أصول روسية مجمّدة في أوروبا كضمان مالي، وهو ما يثير جدلاً قانونياً واسعاً داخل الاتحاد بشأن المخاطر المحتملة لهذه الخطوة.
ويرى منتقدون أن استمرار ضخ المساعدات بهذا الحجم يأتي في وقت وصلت فيه الحرب إلى حالة من الجمود العسكري، ما يطرح تساؤلات حول فعالية الاستراتيجية الأوروبية الحالية.
أزمة ثقة أوسع في السياسة الخارجية الأوروبية
تشير التطورات الأخيرة إلى أزمة أعمق في بنية السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، حيث تتزايد الأصوات التي تعتبر أن النظام القائم لم يعد قادراً على مواكبة التحولات الجيوسياسية السريعة.
وقال دبلوماسيون أوروبيون إن الدول الأعضاء ترغب في “آلية أكثر فعالية للعمل الخارجي”، في ظل ما وصفوه بتزايد الأزمات العالمية وصعوبة التوصل إلى مواقف موحدة بسرعة.
كما حذّر خبراء من أن تفكيك أو إضعاف جهاز الخدمة الخارجية دون بديل واضح قد يؤدي إلى مزيد من التشتت في السياسة الخارجية الأوروبية، ويضعف قدرة الاتحاد على لعب دور فاعل على الساحة الدولية.
مستقبل غامض للدبلوماسية الأوروبية
في ظل هذه الخلافات، يبدو مستقبل جهاز السياسة الخارجية الأوروبي مفتوحاً على عدة سيناريوهات، من بينها إعادة الهيكلة الجزئية أو العودة إلى نموذج يعتمد بشكل أكبر على الدول الأعضاء.
لكن المؤكد أن النقاش الحالي يعكس تحولاً عميقاً في طريقة تفكير القادة الأوروبيين بشأن دور الاتحاد في العالم، وحدود القوة الدبلوماسية المشتركة في مواجهة التحديات العالمية المتصاعدة.










