لقاء استخباراتي رفيع بين أنقرة وبنغازي يفتح مرحلة جديدة من العلاقات وسط تحولات إقليمية معقدة
طرابلس- المنشر_الاخباري
في تحول لافت يعكس تغيرًا في خرائط النفوذ داخل ليبيا، كشفت مصادر دبلوماسية وإعلامية عن تحرك تركي جديد باتجاه لعب دور الوسيط بين الأطراف الليبية المتنازعة، بعد سنوات من الانخراط المباشر في الصراع العسكري الذي قسم البلاد بين شرق وغرب.
وجاء هذا التحول الأبرز مع لقاء جمع رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالن، بنائب قائد الجيش الوطني الليبي اللواء صدام حفتر، في مدينة بنغازي شرق البلاد يوم 23 يونيو/حزيران 2026، في خطوة وُصفت بأنها “اختراق سياسي وأمني مهم” في مسار الأزمة الليبية.
وبحسب تقارير صحفية دولية، فإن اللقاء حمل رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، إذ ناقش الطرفان ملفات تتعلق باستقرار ليبيا، وآليات توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب بحث سبل إعادة بناء الثقة بين الشرق والغرب، في إطار مسار قد يقود إلى تسوية شاملة للصراع المستمر منذ أكثر من عقد.
من دعم الأطراف المتحاربة إلى البحث عن التوازن
ويأتي هذا التطور بعد نحو ست سنوات من الدور التركي المباشر في ليبيا، حيث دعمت أنقرة حكومة الوفاق الوطني السابقة في طرابلس عسكريًا ولوجستيًا خلال مواجهاتها مع قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.
وخلال تلك المرحلة، لعبت الطائرات المسيّرة التركية والمستشارون العسكريون دورًا محوريًا في تغيير ميزان القوى على الأرض، خصوصًا خلال معارك عام 2020 التي شهدت تراجع قوات الشرق وانسحابها من عدة مواقع استراتيجية.
غير أن المشهد الإقليمي اليوم يبدو مختلفًا، إذ تشير تحليلات سياسية إلى أن تركيا تتجه نحو إعادة صياغة سياستها الخارجية في ليبيا، عبر الانتقال من سياسة “الانخراط الصدامي” إلى “الدبلوماسية البراغماتية”، خاصة في ظل تغير أولويات أنقرة الإقليمية وتحسن علاقاتها مع عدد من العواصم العربية.
دوافع التحول التركي
ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يمكن فصله عن التغيرات الجيوسياسية الأوسع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك إعادة ترتيب العلاقات بين تركيا وعدد من الدول الخليجية، بالإضافة إلى انفتاح تدريجي على ملفات كانت تعتبر سابقًا مناطق صراع مفتوح.
كما ساهمت التطورات في سوريا وأذربيجان، وتراجع حدة التوترات مع بعض القوى الإقليمية، في دفع أنقرة إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على خفض التصعيد وتعزيز النفوذ عبر الوساطة السياسية بدل التدخل العسكري المباشر.
وتسعى تركيا، وفق مصادر سياسية، إلى ترسيخ حضورها كفاعل إقليمي “لا غنى عنه” في أي تسوية مستقبلية في ليبيا، خصوصًا في الملفات الاقتصادية وإعادة الإعمار والتعاون الأمني.
ملف توحيد المؤسسة العسكرية الليبية
وبحسب تقارير إعلامية تركية، ركزت المحادثات بين كالن وصدام حفتر على ملف توحيد الجيش الليبي، وهو أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الأزمة الليبية، في ظل وجود مؤسستين عسكريتين متوازيتين في الشرق والغرب.
وتسعى الأطراف الدولية والإقليمية منذ سنوات إلى دمج هذه القوات ضمن هيكل عسكري موحد يخضع لسلطة مدنية، إلا أن الخلافات السياسية والمصالح المتباينة حالت دون تحقيق تقدم ملموس في هذا الاتجاه.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن تركيا تعرض خبراتها العسكرية والتدريبية التي راكمتها خلال السنوات الماضية في ليبيا، حيث تقول تقارير إن أنقرة قامت بتدريب عشرات الآلاف من العناصر الليبية ضمن برامج تعاون أمني سابقة.
انعكاسات على التوازنات الإقليمية
ويحمل هذا التحول التركي انعكاسات مباشرة على توازنات القوى في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، خاصة في ظل التنافس الإقليمي على النفوذ في ليبيا، التي تُعد واحدة من أهم دول العبور للطاقة والهجرة في المنطقة.
كما يفتح هذا التحرك الباب أمام إعادة ترتيب العلاقات مع دول مثل مصر والجزائر واليونان، التي كانت على خلافات حادة مع أنقرة بسبب تدخلها العسكري في ليبيا خلال السنوات الماضية.
ويرى محللون أن نجاح تركيا في لعب دور الوسيط قد يخفف من حدة التوترات الإقليمية، لكنه في الوقت ذاته قد يثير شكوك بعض الأطراف حول نوايا أنقرة الحقيقية، بين كونها تسعى فعلاً إلى التهدئة أو أنها تعيد تموضعها لتعزيز نفوذها بطرق مختلفة.
ليبيا بين الاستقرار الهش وفرص التسوية
على الجانب الليبي، يأتي هذا التحول في وقت ما تزال فيه البلاد تعيش حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي، رغم بعض التقارب المحدود بين الشرق والغرب خلال العامين الأخيرين.
وتأمل الأطراف الدولية في أن يسهم أي تقارب تركي-ليبي جديد في دفع العملية السياسية نحو مرحلة أكثر استقرارًا، خاصة مع الحديث المتكرر عن إمكانية إجراء انتخابات شاملة طال انتظارها.
غير أن التحديات لا تزال كبيرة، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات حول القوانين الانتخابية، وتقاسم السلطة، وتوزيع العائدات النفطية، إلى جانب النفوذ العسكري المتشابك بين مختلف القوى المحلية والدولية.
خاتمة
يعكس اللقاء بين أنقرة وبنغازي تحولًا مهمًا في مقاربة تركيا للملف الليبي، من التدخل المباشر إلى محاولة لعب دور الوسيط، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم دقيقة لموازين القوى.
وبينما يبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بمدى قدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، فإن التحرك التركي الأخير يشير بوضوح إلى أن ليبيا ما زالت ساحة مفتوحة للتنافس، ولكن أيضًا محتملة لتسويات كبرى إذا ما توافرت الإرادة السياسية.










