قضيتان جديدتان تثيران الجدل حول حرية التعبير في لبنان، بعد توقيف ناشط شيعي واستدعاء سياسي بارز على خلفية تصريحات وانتقادات موجهة لحزب الله ومواقف مؤيدة لمسار السلام مع إسرائيل.
بيروت – المنشر_الاخباري
أثارت ملاحقات قضائية طالت اثنين من أبرز منتقدي حزب الله في لبنان موجة جديدة من الجدل بشأن واقع الحريات العامة وحرية التعبير في البلاد، وسط اتهامات باستخدام القضاء لتصفية الحسابات السياسية وإسكات الأصوات المعارضة، في وقت يشهد فيه لبنان مرحلة سياسية وأمنية دقيقة بالتزامن مع محادثات غير مباشرة بين بيروت وإسرائيل برعاية أمريكية.
وشملت الإجراءات القضائية الناشط الشيعي محمود شعيب، المعروف بانتقاداته العلنية لحزب الله، إضافة إلى الدكتور ألفرد رياشي، الأمين العام للمؤتمر الدائم للفيدرالية، بعد شكاوى تقدم بها محامون مقربون من الحزب، وفق ما أعلنته وسائل إعلام لبنانية وتصريحات صادرة عن الشخصين.
توقيف ناشط شيعي
وبحسب المعلومات المتداولة، أوقف محمود شعيب داخل مخفر النبطية بناءً على قرار من النيابة العامة، بعد توجيه اتهامات تتعلق بـ”التجسس” إلى جانب اتهامات مرتبطة بانتقاداته المتكررة للقضاء في الجنوب اللبناني.
وأكد شعيب لاحقًا عبر حسابه على منصة “إكس” أنه أُطلق سراحه بعد أيام من احتجازه، فيما اعتبرت تقارير إعلامية لبنانية أن القضية تحمل أبعادًا سياسية، مشيرة إلى أن الشكاوى التي قُدمت ضده جاءت من شخصيات محسوبة على حزب الله.
ويعد شعيب من أبرز الأصوات الشيعية المنتقدة للحزب خلال السنوات الأخيرة، حيث يدعو بشكل متكرر إلى حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادة المؤسسات الرسمية.
قضية تعود إلى عام 2021
وأعادت قضية شعيب إلى الواجهة حادثة أثارت جدلاً واسعًا قبل سنوات، عندما احتُجزت ابنته وعد، التي كانت تبلغ آنذاك 14 عامًا، لساعات داخل مبنى بلدية النبطية خلال إجرائها استطلاعًا للرأي في جنوب لبنان، قبل أن يتم الإفراج عنها بعد تدخلات قانونية، في واقعة اعتبرها ناشطون حينها مثالًا على الضغوط التي يتعرض لها معارضو الحزب.
استدعاء بسبب منشور
وفي القضية الثانية، أعلن الدكتور ألفرد رياشي أن النيابة العامة اللبنانية باشرت إجراءات قانونية بحقه عقب شكوى رفعها محامون مقربون من حزب الله.
وجاءت الشكوى على خلفية منشور نشره رياشي عبر منصة “إكس”، تضمن صورة تجمع قادة من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مع تعليق تحدث فيه عن “طريق إلى السلام”، في إشارة إلى إمكانية تحقيق تقدم في المفاوضات غير المباشرة بين بيروت وتل أبيب.
ووفق تقارير إعلامية لبنانية، اعتُبر المنشور تعبيرًا عن دعم لمسار السلام مع إسرائيل، وهو ما أثار اعتراضات واسعة من مؤيدي حزب الله الذين يرفضون أي حديث عن التطبيع أو التسوية السياسية المباشرة.
محادثات حساسة
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات اللبنانية الإسرائيلية حراكًا دبلوماسيًا تقوده الولايات المتحدة، يهدف إلى تثبيت اتفاقات التهدئة والتوصل إلى تفاهمات تشمل انسحابًا إسرائيليًا من مناطق حدودية مقابل ترتيبات أمنية جديدة تتعلق بجنوب لبنان.
ورغم أن الحكومة اللبنانية تؤكد أن المفاوضات تركز على حماية السيادة اللبنانية وإنهاء التوتر الحدودي، فإن حزب الله يواصل رفض أي مسار تفاوضي خارج ما يصفه بـ”محور المقاومة”، ويؤكد أن أي تسوية يجب أن ترتبط بمواقف إيران الإقليمية.
اتهامات باستخدام القضاء
رياشي اعتبر أن القضية المرفوعة ضده لا تتعلق بمخالفة قانونية، وإنما بموقف سياسي عبر عنه بصورة علنية، مؤكداً أن الدعوى تستهدف معاقبته بسبب آرائه.
كما أعاد نشر تصريحات لناشطين اتهموا شخصيات مقربة من حزب الله باستخدام المؤسسات القضائية لإسكات الأصوات المطالبة بالسلام أو المنتقدة لدور الحزب في الحياة السياسية اللبنانية.
دفاع قانوني
من جانبه، أصدر المحامي نديم يوسف البستاني بيانًا أكد فيه أن الملاحقة القضائية بحق رياشي تمثل “انتهاكًا لحرية الرأي والتعبير”، مشددًا على أن المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تكفل حق المواطنين في التعبير عن آرائهم السياسية دون ملاحقة.
وطالب البستاني بضمان سلامة موكله واحترام الإجراءات القانونية، محذرًا من أي محاولة للمساس بحقوقه الأساسية.
مخاوف من تراجع الحريات
كما علقت الأكاديمية اللبنانية زينة منصور، المعروفة بانتقادها لحزب الله، على القضيتين معتبرة أن ما يجري يمثل محاولة لمحاكمة الأفكار وليس الأفعال، ووسيلة لتخويف كل من يطرح رؤى مختلفة بشأن مستقبل لبنان أو يدعو إلى إنهاء حالة الصراع المستمرة.
ورأت أن توسيع دائرة الملاحقات بحق شخصيات سياسية وإعلامية وأكاديمية يعكس تصاعد الضغوط على حرية النقاش العام، خصوصًا في ظل الانقسام الحاد الذي يشهده لبنان بشأن دور حزب الله وسلاحه وعلاقته بإيران.
انقسام داخلي متواصل
وتأتي هذه القضايا في وقت يزداد فيه الجدل داخل لبنان حول مستقبل حزب الله ودوره العسكري والسياسي، مع استمرار الضغوط الدولية الداعية إلى حصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.
ويرى مراقبون أن أي ملاحقات تطال شخصيات معارضة للحزب ستزيد من حدة الانقسام الداخلي، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية وأمنية قد تحدد شكل المرحلة المقبلة في لبنان.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو حزب الله أن اللجوء إلى القضاء حق قانوني لمواجهة ما يعتبرونه تحريضًا أو تجاوزًا للقوانين اللبنانية، بينما تعتبر أطراف معارضة أن هذه القضايا تعكس استمرار الصراع بين مشروع الدولة المدنية ومشروع القوى المسلحة خارج مؤسسات الدولة.










