انقرة- المنشر_الاخباري
بعد سنوات من التوتر والخلافات الإقليمية، دخلت العلاقات العسكرية بين القاهرة وأنقرة مرحلة جديدة عنوانها المناورات المشتركة، وصفقات التصنيع الدفاعي، وتنسيق المواقف الأمنية في ظل تحولات متسارعة تشهدها المنطقة.
تعاون عسكري يتوسع بعد سنوات من القطيعة
شهد التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا تطوراً لافتاً خلال العامين الماضيين، مع انتقال العلاقات بين البلدين من مرحلة المنافسة الإقليمية إلى مستوى متقدم من التنسيق الأمني والعسكري.
ومنذ استعادة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وأنقرة عام 2023، بدأت المؤشرات على تقارب تدريجي في الملفات العسكرية، حيث كثّف الطرفان الاتصالات بين قياداتهما الدفاعية، وأجريا سلسلة من الزيارات المتبادلة، إلى جانب تنفيذ تدريبات ومناورات مشتركة شملت القوات البحرية والجوية والقوات الخاصة.
ويعكس هذا التحول رغبة مشتركة في بناء علاقة استراتيجية أكثر استقراراً، خصوصاً في ظل تصاعد التحديات الأمنية في الشرق الأوسط، واتساع رقعة الأزمات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن الملف الدفاعي أصبح أحد أسرع مسارات التقارب نمواً بين البلدين، بعدما كان لسنوات طويلة مرتبطاً بخلافات سياسية حول ملفات عدة، أبرزها ليبيا وشرق المتوسط.
المناورات العسكرية.. رسالة تعاون جديدة
خلال الفترة الأخيرة، نفذت القوات المصرية والتركية عدداً من المناورات المشتركة التي عكست ارتفاع مستوى التنسيق بين الجيشين.
ومن أبرز هذه التدريبات مناورة “النسر الذهبي 2026” التي شاركت فيها قوات المظلات والصاعقة المصرية إلى جانب القوات الخاصة التركية، وشملت تدريبات على مواجهة التهديدات الأمنية، واقتحام مواقع مسلحة، وعمليات تحرير رهائن.
كما شاركت مصر وتركيا إلى جانب أذربيجان في مناورة جوية مشتركة حملت اسم “نسر الأناضول 2026”، تضمنت تدريبات على العمليات الجوية الحديثة، بمشاركة طائرات وأنظمة دعم متطورة.
وسبق ذلك تنفيذ أول مناورة بحرية مشتركة بين البلدين منذ أكثر من عقد، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على عودة التنسيق البحري بين قوتين تمتلكان حضوراً مهماً في البحر المتوسط.
ولا تقتصر أهمية هذه المناورات على الجانب العسكري فقط، إذ تحمل أيضاً رسائل سياسية مرتبطة بتغير موازين القوى في المنطقة، ورغبة البلدين في تعزيز قدراتهما الذاتية وسط بيئة أمنية مضطربة.
التصنيع الدفاعي.. من الاستيراد إلى الشراكة الإنتاجية
لم يتوقف التعاون المصري التركي عند حدود التدريبات العسكرية، بل امتد إلى مجال الصناعات الدفاعية، خاصة في قطاع الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة.
وتسعى القاهرة إلى تطوير قدراتها في مجال التكنولوجيا العسكرية عبر شراكات مع دول تمتلك خبرات متقدمة، فيما تبحث أنقرة عن توسيع أسواق صناعاتها الدفاعية وتعزيز حضورها في المنطقة.
وفي هذا السياق، ظهرت اتفاقيات تعاون بين شركات ومؤسسات دفاعية في البلدين لإنتاج أنظمة مسيرة ومركبات عسكرية حديثة.
كما أعلنت جهات مصرية عن تعاون في مجال إنتاج طائرات مسيرة محلياً، مع توجه لزيادة نسبة المكونات المصنعة داخل مصر، بما يتماشى مع استراتيجية القاهرة لتقليل الاعتماد على الاستيراد العسكري.
ويعتبر قطاع الطائرات المسيّرة من أكثر المجالات التي تجمع بين الخبرة التركية والاحتياجات المصرية، في ظل اعتماد متزايد عالمياً على هذه التكنولوجيا في الحروب الحديثة.
زيارات عسكرية رفيعة تعكس التقارب
شهدت العلاقات العسكرية المصرية التركية خلال الفترة الماضية سلسلة من اللقاءات بين كبار المسؤولين العسكريين.
وفي يوليو 2026، أجرى وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر زيارة رسمية إلى تركيا، ترأس خلالها وفداً عسكرياً رفيع المستوى، في أول زيارة من نوعها على هذا المستوى منذ سنوات طويلة.
وخلال الزيارة، ناقش الجانبان فرص تطوير التعاون العسكري، وتبادل الخبرات، وتعزيز التنسيق بين القوات المسلحة.
كما سبقتها زيارة لرئيس هيئة الأركان التركية إلى القاهرة، حيث عقد لقاءات مع قيادات عسكرية مصرية لبحث آليات التعاون المستقبلية.
وتشير هذه الزيارات إلى انتقال العلاقة من مرحلة الاتصالات السياسية إلى مرحلة بناء قنوات عسكرية أكثر انتظاماً.
ليبيا والبحر المتوسط.. ملفات الخلاف تتحول إلى ساحات تنسيق
كانت ليبيا واحدة من أكثر القضايا التي شهدت خلافاً بين مصر وتركيا خلال السنوات الماضية، إذ دعمت كل دولة أطرافاً مختلفة في الأزمة الليبية.
لكن التحول في العلاقات بين البلدين أدى إلى ظهور مؤشرات على تقارب في إدارة الملف، حيث شاركت قوات مصرية وتركية في تدريبات مرتبطة بتوحيد المؤسسات العسكرية الليبية.
ويرى محللون أن هذا التطور يعكس رغبة الطرفين في الانتقال من سياسة المواجهة غير المباشرة إلى البحث عن تفاهمات تقلل التوترات.
كما يشكل شرق المتوسط مجالاً آخر للتنسيق المحتمل، في ظل أهمية المنطقة بالنسبة للطاقة والممرات البحرية.
التقارب في ظل تغيرات إقليمية واسعة
يأتي التقارب العسكري المصري التركي في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبيرة، مع استمرار الأزمات في غزة وسوريا والسودان وليبيا، إضافة إلى التوترات بين إيران وإسرائيل.
وتتقاطع مخاوف القاهرة وأنقرة في عدد من الملفات، خاصة ما يتعلق بانتشار الصراعات المسلحة وتغير طبيعة التهديدات الأمنية.
كما يأتي التقارب ضمن محاولات أوسع لتشكيل ترتيبات إقليمية جديدة تضم عدداً من الدول ذات الثقل السياسي والعسكري في العالم الإسلامي.
ويرى خبراء أن العلاقات المصرية التركية لم تعد قائمة فقط على تجاوز الخلافات السابقة، بل أصبحت مرتبطة بحسابات استراتيجية تتعلق بالأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي.
مستقبل الشراكة الدفاعية بين القاهرة وأنقرة
رغم التطور الكبير في العلاقات العسكرية، لا تزال هناك ملفات معقدة تحتاج إلى إدارة دقيقة، خاصة القضايا الإقليمية التي شهدت اختلافاً في الرؤى بين البلدين خلال السنوات الماضية.
لكن استمرار المناورات المشتركة، وزيادة الزيارات العسكرية، والتوسع في التعاون الصناعي، تشير إلى أن العلاقة الدفاعية دخلت مرحلة جديدة أكثر براغماتية.
ويبدو أن القاهرة وأنقرة تسعيان إلى بناء شراكة تقوم على المصالح المشتركة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني لكل طرف.
وبينما كانت العلاقات المصرية التركية توصف سابقاً بأنها علاقة تنافس وصراع نفوذ، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول تدريجي نحو نموذج تعاون عسكري قد يصبح أحد العوامل المؤثرة في معادلة الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.











