استئناف الطيران المدني بين البلدين يتزامن مع ترتيبات جديدة بشأن القواعد الروسية على الساحل السوري، في مؤشر على سعي دمشق لإعادة بناء علاقاتها الدولية والحفاظ على قنوات تعاون مع موسكو رغم انتهاء عهد بشار الأسد
دمشق – المنشر_الاخباري
استأنفت شركة الخطوط الجوية السورية رحلاتها المدنية المباشرة بين موسكو ودمشق، في خطوة تعد الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وتأتي في إطار مساعٍ أوسع من جانب القيادة السورية الجديدة لإعادة ربط البلاد بالعالم وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية.
ووصلت رحلة تابعة للخطوط الجوية السورية من العاصمة الروسية موسكو إلى مطار دمشق الدولي، الأحد، في أول رحلة مدنية قادمة من موسكو منذ انهيار نظام الأسد. ووصفت وسائل الإعلام السورية الرسمية استئناف الرحلات بأنه محطة جديدة في مسار إعادة تشغيل الخط الجوي بين البلدين.
وتكتسب الخطوة أهمية سياسية تتجاوز قطاع الطيران، خصوصاً أنها تأتي بالتزامن مع تفاهمات بين دمشق وموسكو بشأن مستقبل الوجود الروسي في عدد من المواقع الاستراتيجية على الساحل السوري، بعد سنوات طويلة شكلت خلالها روسيا أبرز حليف عسكري وسياسي لنظام الأسد.
وبحسب المعطيات التي أوردتها صحيفة “جيروزاليم بوست”، توصلت سوريا وروسيا إلى اتفاق يقضي بعودة السيطرة السورية على قاعدتين استراتيجيتين في شمال غرب البلاد، مع بحث ترتيبات تسمح باستمرار التعاون العسكري بين الجانبين.
وتشير التقارير إلى أن قاعدة حميميم الجوية ومرافق روسية في ميناء طرطوس ستكون ضمن الترتيبات الجديدة، بحيث تنتقل بعض جوانب الإدارة إلى الجانب السوري، بينما تتحول المنشآت العسكرية في الموقعين إلى مراكز تدريب مشتركة بين القوات السورية والروسية.
ويعكس هذا التوجه محاولة من دمشق لتجنب القطيعة مع موسكو، رغم أن روسيا كانت الداعم العسكري الرئيسي لنظام الأسد خلال سنوات الحرب السورية.
فمنذ اندلاع الحرب الأهلية السورية، حافظت موسكو على تحالف وثيق مع دمشق، قبل أن تتدخل عسكرياً بصورة مباشرة في سوريا عام 2015 دعماً للقوات الحكومية في مواجهة الفصائل المسلحة. وأسهم التدخل الروسي في تغيير موازين القوى على الأرض ومساعدة النظام السابق على استعادة مساحات واسعة من الأراضي.
وبعد سقوط الأسد، كان مستقبل العلاقات بين موسكو والسلطات السورية الجديدة من أكثر الملفات إثارة للتكهنات. فقد توقع البعض أن تسعى القيادة الجديدة في دمشق إلى إنهاء الوجود الروسي وإغلاق القواعد التي كانت تمثل أحد أهم رموز النفوذ الروسي في شرق المتوسط.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت اتجاهاً أكثر براغماتية، إذ اختارت دمشق الحفاظ على قنوات الاتصال مع موسكو بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة معها.
وشهدت الأشهر الماضية زيارات واتصالات بين مسؤولين سوريين وروس، في محاولة لوضع أسس جديدة للعلاقة بين البلدين بما يتناسب مع الواقع السياسي الذي نشأ بعد سقوط نظام الأسد.
ويبدو أن استئناف الرحلات الجوية يمثل أحد ثمار هذه الاتصالات، إلى جانب التفاهمات المتعلقة بالقواعد العسكرية.
ولا تزال التفاصيل النهائية بشأن مستقبل المنشآت الروسية على الساحل السوري غير واضحة بالكامل، إلا أن الصيغة المطروحة تشير إلى محاولة الطرفين الوصول إلى حل وسط يسمح لسوريا بتأكيد سيادتها على أراضيها، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التعاون العسكري مع روسيا.
وتكتسب قاعدة حميميم أهمية خاصة بالنسبة إلى موسكو، باعتبارها إحدى أهم نقاط انتشارها العسكري في سوريا، بينما يمثل ميناء طرطوس موقعاً استراتيجياً للأسطول الروسي في البحر المتوسط.
وبالنسبة إلى دمشق، فإن الحفاظ على علاقة مستقرة مع موسكو قد يوفر مكاسب سياسية ودبلوماسية، خصوصاً أن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن الدولي وتمتلك نفوذاً واسعاً في المؤسسات الدولية.
وتحتاج سوريا في المرحلة الحالية إلى إعادة بناء علاقاتها الخارجية بعد سنوات من العزلة والعقوبات التي فُرضت على النظام السابق، كما تسعى القيادة الجديدة إلى استعادة حضورها في المحافل الدولية والحصول على دعم سياسي واقتصادي لإعادة إعمار البلاد.
وفي هذا السياق، تعمل دمشق على توسيع شبكة علاقاتها الدولية وعدم الاعتماد على محور واحد. وقد شهد العام الماضي زيادة في عدد الرحلات الجوية التي تربط سوريا بعدد من الدول العربية والإقليمية، في مؤشر على محاولة إعادة تنشيط قطاع الطيران المدني وفتح البلاد أمام حركة السفر والتجارة.
وقال مدير عام هيئة الطيران المدني السورية عمر الحصري إن استئناف خط موسكو يأتي ضمن جهود أوسع لإعادة بناء شبكة الخطوط الجوية السورية وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.
وأكد أن العمل جارٍ لإعادة ربط سوريا بالعالم من خلال إطلاق خطوط مباشرة جديدة وتوفير خيارات سفر أوسع أمام المواطنين.
ومن المتوقع أن تستأنف الخطوط الجوية السورية خلال الفترة المقبلة رحلات إلى وجهات إقليمية ودولية أخرى، بما في ذلك وجهات أوروبية جديدة، على أن يتم الإعلان عنها تدريجياً مع استمرار عملية إعادة بناء شبكة الطيران السورية.
ولا تقتصر أهمية إعادة الرحلات على الجانب الاقتصادي أو السياحي، إذ يمكن أن تحمل أيضاً دلالات سياسية تتعلق بانفتاح سوريا الجديدة على العواصم التي كانت تربطها علاقات وثيقة بالنظام السابق.
وتنظر دمشق إلى إعادة تشغيل المطارات والرحلات الدولية باعتبارها جزءاً من عملية إعادة الاندماج في النظام الإقليمي والدولي، خصوصاً بعد سنوات من العقوبات والقيود التي حدت من حركة الأشخاص والبضائع والطائرات من وإلى سوريا.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن استمرار الرحلات الجوية والتعاون مع دمشق يوفران قناة إضافية للحفاظ على حضورها في سوريا، حتى مع تغير طبيعة العلاقة السياسية بعد سقوط الأسد.
ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه موسكو إعادة ترتيب حساباتها في الشرق الأوسط، في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا والتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وكانت روسيا قد استفادت طوال سنوات من وجودها العسكري في سوريا لتعزيز نفوذها في البحر المتوسط، واستخدمت القواعد السورية كنقطة انطلاق لعملياتها العسكرية والإمدادية في المنطقة.
لكن انهيار النظام السابق فرض على موسكو إعادة تقييم وضعها العسكري والسياسي في البلاد، خصوصاً أن القيادة السورية الجديدة ليست مرتبطة بها بالطريقة التي كان عليها نظام الأسد.
ومع ذلك، يبدو أن الطرفين يفضلان التعاون بدلاً من التصعيد، وهو ما قد يفسر التفاهمات بشأن تحويل بعض المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة بدلاً من إنهاء الوجود الروسي بصورة كاملة.
وفي إسرائيل، تثير هذه التطورات اهتماماً خاصاً، نظراً إلى أن العلاقات الروسية السورية كانت جزءاً أساسياً من الحسابات الأمنية الإسرائيلية خلال سنوات الحرب السورية.
فخلال عهد الأسد، حرصت إسرائيل على إبقاء قنوات اتصال مع موسكو لتجنب الاحتكاك بين القوات الإسرائيلية والروسية في الأجواء السورية، خصوصاً خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد أهداف مرتبطة بإيران وحلفائها.
أما بعد سقوط الأسد، فقد تغير المشهد بصورة كبيرة، وأصبحت دمشق بقيادة جديدة تسعى إلى إعادة تعريف علاقاتها الخارجية.
وترى بعض الأوساط الإسرائيلية في القيادة السورية الجديدة خصماً محتملاً، بينما لم تقدم إسرائيل حتى الآن على الانفتاح على الحكومة السورية الجديدة بالدرجة التي أقدمت عليها دول أخرى.
ويطرح استمرار التعاون السوري الروسي تساؤلات جديدة بشأن كيفية تعامل إسرائيل مع دمشق وموسكو في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا حافظت روسيا على جزء من حضورها العسكري في سوريا.
ومن جهة أخرى، فإن عودة الرحلات الجوية بين موسكو ودمشق قد تشكل مؤشراً على أن العلاقات السورية الروسية لا تتجه نحو القطيعة، وإنما نحو إعادة صياغة تقوم على المصالح المتبادلة بعد انتهاء مرحلة التحالف الوثيق بين الكرملين ونظام الأسد.
وفي المحصلة، فإن هبوط أول رحلة سورية قادمة من موسكو في دمشق لا يمثل مجرد استئناف لمسار جوي توقف بعد سقوط الأسد، بل يأتي كجزء من إعادة ترتيب أوسع للعلاقات السورية مع القوى الدولية.
فدمشق تسعى إلى استعادة حضورها الخارجي، وتنويع شركائها، وفتح قنوات جديدة مع أوروبا والمنطقة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقة عملية مع موسكو التي لا تزال تملك نفوذاً عسكرياً ودبلوماسياً مهماً.
وبينما لم تُحسم بعد جميع تفاصيل مستقبل القواعد الروسية في سوريا، فإن الاتفاقات الأولية بشأن إدارتها وتحويل بعض منشآتها إلى مراكز تدريب مشتركة توحي بأن الطرفين يبحثان عن صيغة جديدة للعلاقة، عنوانها الأساسي التعاون بدل المواجهة، والسيادة السورية مع استمرار المصالح الروسية.










