واشنطن – المنشر_الاخباري
تقييمات استخباراتية أمريكية جديدة ترسم صورة مقلقة بشأن حسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ ترى واشنطن أن الكرملين يعتبر الولايات المتحدة أكثر ضعفاً وانشغالاً بعد الحرب التي استمرت ستة أشهر مع إيران، بالتزامن مع استنزاف جزء من مخزونات الأسلحة والذخائر الأمريكية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «واشنطن بوست»، تعتقد الاستخبارات الأمريكية أن بوتين قد يرى في حالة الاستنزاف التي تواجهها واشنطن فرصة لزيادة الضغط العسكري والسياسي على أوكرانيا، إلى جانب توسيع الضغوط على الدول الأوروبية.
وتزامنت هذه التقييمات مع زيارة سرية أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو هذا الأسبوع، حيث حمل إلى المسؤولين الروس تحذيراً من أن أي تصعيد كبير في الحرب الأوكرانية قد يؤدي إلى نتائج عكسية على حسابات الكرملين.
ووفق التقرير، حاول راتكليف إيصال رسالة مفادها أن التصعيد الروسي قد يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الاقتراب بصورة أكبر من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بدلاً من دفع واشنطن إلى الابتعاد عن كييف.
وتكشف هذه الرسالة عن أحد أهم الحسابات الأمريكية في المرحلة الحالية؛ فواشنطن تدرك أن موسكو تراقب حجم الضغوط العسكرية التي تواجه الولايات المتحدة، لكنها تريد منع الكرملين من الاعتقاد بأن انشغال القوات الأمريكية في جبهات أخرى يعني تراجع الالتزام الأمريكي تجاه أوكرانيا وأوروبا.
بوتين يراقب استنزاف الترسانة الأمريكية
تأتي المخاوف الأمريكية في وقت تواجه فيه واشنطن ضغوطاً متزايدة على مخزوناتها من الأسلحة، بعد أشهر من العمليات العسكرية المكثفة والتزاماتها تجاه عدد من الحلفاء.
وترى الاستخبارات الأمريكية أن موسكو قد تفسر هذا الاستنزاف باعتباره مؤشراً على تراجع قدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهة طويلة في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
ومن وجهة نظر الكرملين، فإن استمرار الحرب في أوكرانيا بالتزامن مع التزامات أمريكية عسكرية أخرى قد يخلق مساحة للمناورة، سواء من خلال تكثيف العمليات على الأرض أو زيادة الضغط على الدول الأوروبية.
لكن واشنطن تحاول منع هذه القراءة من التحول إلى قرار روسي بالتصعيد.
لماذا ذهب راتكليف إلى موسكو سراً؟
اختيار مدير الـCIA لإيصال الرسالة إلى موسكو يحمل دلالة مهمة، خصوصاً أن القنوات الاستخباراتية تتيح للجانبين تبادل رسائل حساسة بعيداً عن التصريحات العلنية.
وتشير الزيارة إلى أن واشنطن لا تريد الاكتفاء بالرسائل السياسية المعلنة، بل تسعى إلى التواصل المباشر مع المسؤولين الروس لمعرفة نوايا الكرملين واختبار مدى استعداده للتصعيد.
كما أن طبيعة القناة السرية تمنح الإدارة الأمريكية مساحة أكبر للمناورة، إذ يمكن نقل تحذيرات مباشرة من دون تحويلها فوراً إلى موقف سياسي معلن قد يصعب التراجع عنه.
رسالة إلى بوتين: لا تختبر ترمب
التحذير الأمريكي الأساسي، وفق التقرير، يتعلق بحسابات بوتين تجاه الرئيس ترمب.
فواشنطن تخشى أن يعتقد الكرملين أن الانقسامات السابقة بين ترمب وزيلينسكي، إلى جانب انشغال الولايات المتحدة بحرب إيران، توفر فرصة لتحقيق مكاسب إضافية في أوكرانيا.
لكن راتكليف حذر من أن التصعيد الروسي قد يؤدي إلى العكس تماماً.
فإذا اتخذت موسكو خطوة عسكرية كبيرة، فقد يجد ترمب نفسه أمام ضغوط سياسية واستراتيجية تدفعه إلى تعزيز دعمه لكييف والتقارب مع زيلينسكي بدلاً من محاولة الضغط على أوكرانيا لتقديم تنازلات.
وبذلك، فإن الرسالة الأمريكية تبدو أقرب إلى تحذير الكرملين من سوء تقدير موقف الإدارة الحالية.
هل تستغل روسيا حرب إيران؟
الحرب مع إيران أضافت عاملاً جديداً إلى الحسابات الروسية والأمريكية.
فانخراط الولايات المتحدة عسكرياً لفترة طويلة يفرض ضغوطاً على الموارد والأسلحة والقدرات الدفاعية، بينما تراقب موسكو كيفية توزيع واشنطن لقواتها ومخزوناتها بين الشرق الأوسط وأوروبا.
وتخشى الإدارة الأمريكية أن تستنتج روسيا أن واشنطن أصبحت أقل قدرة على دعم أوكرانيا أو الرد على تحركات روسية أكثر جرأة.
لكن الجانب الآخر من المعادلة هو أن أي تصعيد روسي قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز وجودها العسكري في أوروبا.
وهذا تحديداً ما تحاول واشنطن إيصاله إلى موسكو: الاستنزاف لا يعني التخلي عن الردع.
أوكرانيا في قلب المواجهة
رغم تعدد الملفات، تبقى أوكرانيا محوراً أساسياً في الحسابات الأمريكية الروسية.
فالحرب المستمرة منذ سنوات لم تنجح حتى الآن في إنتاج تسوية سياسية نهائية، بينما يسعى ترمب إلى إنهائها عبر المفاوضات.
وتواجه الإدارة الأمريكية معضلة معقدة؛ فهي تريد الضغط على موسكو وكييف معاً للوصول إلى اتفاق، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يؤدي الضغط على أوكرانيا إلى انهيار موقفها العسكري أو السياسي.
ومن هنا تأتي أهمية التحذير الذي حمله راتكليف إلى موسكو، إذ إن التصعيد الروسي قد يغير حسابات واشنطن بالكامل.
أوروبا تخشى اختباراً روسياً جديداً
لا تتوقف المخاوف الأمريكية عند حدود أوكرانيا، إذ إن أي تقدم روسي أو تصعيد واسع قد ينعكس مباشرة على أمن أوروبا.
وتخشى بعض العواصم الأوروبية منذ فترة من أن تحاول موسكو اختبار مدى استعداد حلف شمال الأطلسي للرد على تحركات عسكرية أو عمليات هجينة محدودة.
ولهذا فإن أي إشارة إلى ضعف أمريكي محتمل تحظى باهتمام كبير في أوروبا، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل الركيزة العسكرية الأساسية للحلف.
وإذا رأت روسيا أن واشنطن منشغلة بحرب أخرى أو تعاني نقصاً في بعض الأسلحة، فقد تحاول اختبار مدى استعداد الدول الأوروبية لتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة.
معركة حسابات أكثر من كونها مواجهة مباشرة
التحركات الأمريكية الحالية لا تعني بالضرورة أن واشنطن تتوقع هجوماً روسياً وشيكاً.
الأقرب أن الولايات المتحدة تحاول إدارة مرحلة شديدة الحساسية من خلال إرسال رسائل ردع واضحة إلى موسكو، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في الوقت نفسه.
فواشنطن تريد إنهاء الحرب الأوكرانية، لكنها لا تريد أن تستغل روسيا عملية السلام لتحسين موقعها العسكري.
وفي المقابل، تريد موسكو معرفة حدود ما يمكن أن تحصل عليه من واشنطن، خصوصاً في ظل تغير الأولويات الأمريكية وتعدد الأزمات الدولية.
الخلاصة
تكشف التقييمات الاستخباراتية الأمريكية عن معركة أخرى تجري خلف خطوط القتال في أوكرانيا: معركة تقدير القوة والضعف.
بوتين، وفق الرؤية الأمريكية، يراقب استنزاف الولايات المتحدة بعد حرب إيران ومخزونات الأسلحة الأمريكية، وقد يرى في ذلك فرصة لزيادة الضغط على أوكرانيا وأوروبا.
لكن واشنطن تحاول تغيير هذه الحسابات قبل أن تتحول إلى تصعيد فعلي.
ومن خلال إرسال مدير الـCIA جون راتكليف سراً إلى موسكو، وجهت إدارة ترمب رسالة مباشرة إلى الكرملين مفادها أن استغلال الانشغال الأمريكي قد يأتي بنتيجة عكسية، وأن أي تصعيد كبير في أوكرانيا يمكن أن يدفع ترمب إلى الاقتراب أكثر من زيلينسكي بدلاً من الابتعاد عنه.
وبذلك، لا تبدو زيارة راتكليف مجرد اتصال استخباراتي، بل جزءاً من لعبة أكبر لاختبار نوايا موسكو وتحديد حدود التصعيد في المرحلة المقبلة.











