برلين – المنشر_الاخباري
تستعد ألمانيا لمرحلة جديدة وأكثر تشددًا في سياستها تجاه روسيا، وسط تقارير عن توجه برلين إلى تحميل موسكو رسميًا مسؤولية هجوم بطائرات مسيّرة استهدف مطار لايبزيغ/هاله في أغسطس، بالتزامن مع إعداد حزمة من الإجراءات الألمانية والأوروبية الجديدة ضد روسيا.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن الحكومة الألمانية تدرس ما يوصف داخل دوائر سياسية وأمنية بـ«زمن تحوّل 2.0»، في إشارة إلى انتقال السياسة الألمانية إلى مرحلة أكثر صرامة في التعامل مع ما تعتبره تهديدات روسية هجينة، تشمل الهجمات السيبرانية والتخريب والطائرات المسيّرة ومحاولات زعزعة الأمن الأوروبي.
هجوم مطار لايبزيغ يشعل التحول الألماني
بدأت القضية بعد العثور على طائرة مسيّرة محملة بمواد متفجرة بالقرب من مطار لايبزيغ/هاله في الرابع من أغسطس، وهو مطار ذو أهمية كبيرة لحركة الشحن والخدمات اللوجستية المرتبطة بأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي.
وتشير التحقيقات الألمانية إلى العثور لاحقًا على طائرة مسيّرة ثالثة بالقرب من المطار، إلى جانب نحو 50 غرامًا من مادة يُشتبه في أنها متفجرات عسكرية من نوع «هيكسوجين». كما أفادت تقارير بأن طائرة مسيّرة أخرى ربما اصطدمت بطائرة شحن تابعة لشركة DHL، ما أدى إلى تحويل مسارها.
ورغم أن الحكومة الألمانية لم تكن قد أعلنت رسميًا حتى الآن المسؤول عن الهجوم، قال المستشار فريدريش ميرتس إن برلين ستكشف قريبًا عن الجهة التي تقف وراء الحادث، مؤكدًا أن وجود أدلة واضحة سيقود إلى رد مناسب.
اتهام موسكو قد يغيّر قواعد المواجهة
وفق التقارير التي تتحدث عن الخطط الألمانية، تتجه برلين إلى إعلان مسؤولية روسيا عن الهجوم، وهو ما سيمثل خطوة سياسية مهمة، خصوصًا أن ألمانيا كانت حذرة في السابق بشأن توجيه اتهامات مباشرة إلى موسكو في بعض حوادث التخريب والهجمات الهجينة.
وتنظر السلطات الألمانية إلى سلسلة من الحوادث الأخيرة باعتبارها جزءًا من بيئة أمنية جديدة في أوروبا، تشمل عمليات تخريب مشتبهًا بارتباطها بروسيا، وهجمات إلكترونية، ومحاولات للتأثير في الحياة السياسية، فضلًا عن حوادث الطائرات المسيّرة.
وكان وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت قد أعلن أن دول بحر البلطيق تخطط لإنشاء قوة مشتركة للدفاع ضد الطائرات المسيّرة ومواجهة التهديدات الهجينة، محذرًا من أن هذه المخاطر قد تتصاعد خلال الأشهر المقبلة.
دعم أكبر لأوكرانيا وعقوبات أوروبية جديدة
لا تقتصر الاستجابة الألمانية المحتملة على إجراءات وطنية، إذ تشير التقارير إلى أن برلين تستعد أيضًا لدفع الاتحاد الأوروبي نحو حزمة جديدة من العقوبات على روسيا.
وتخضع نحو 1600 جهة، تشمل أفرادًا وشركات، للمراجعة تمهيدًا لاحتمال إدراجها على قوائم العقوبات الأوروبية، بينما يُتوقع أن تتبلور إجراءات أوسع خلال الخريف.
وقد تتزامن الإجراءات الجديدة مع زيادة الدعم الألماني لأوكرانيا، في محاولة لإرسال رسالة إلى موسكو بأن برلين تعتبر الهجمات الهجينة على الأراضي الألمانية جزءًا من مواجهة أمنية أوسع، وليست حوادث منفصلة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تعمل فيه ألمانيا على تعزيز قدراتها العسكرية بصورة واسعة. فقد كشفت تقارير حديثة عن خطط ألمانية لاستثمار مليارات اليورو في أنظمة صاروخية بعيدة المدى بهدف تعزيز قدرة الردع ضد أي تهديد روسي محتمل.
برلين تتوقع ردًا روسيًا
اللافت في التحرك الألماني أن السلطات لا تتوقع أن تمر الإجراءات الجديدة دون رد من موسكو. وتشير التقارير إلى أن برلين تستعد لاحتمال رد روسي قوي، سواء عبر المجال الدبلوماسي أو الاقتصادي أو من خلال زيادة الضغوط والهجمات الهجينة.
ويعني ذلك أن ألمانيا قد تدخل مرحلة أكثر توترًا في علاقتها مع روسيا، خصوصًا إذا أعلنت رسميًا أن موسكو تقف وراء هجوم مطار لايبزيغ.
وتقول تقارير ألمانية إن الحكومة تدرس إجراءات تتجاوز مجرد طرد دبلوماسيين، في حال تأكدت مسؤولية جهة روسية عن الهجوم.
أوروبا أمام مرحلة أمنية مختلفة
لا تنظر برلين إلى التطورات الأخيرة باعتبارها مشكلة ألمانية منفردة. فقد شهدت دول أوروبية عدة خلال السنوات الماضية حوادث اتُهمت جهات مرتبطة بروسيا بالوقوف وراء بعضها، بينما تتزايد المخاوف بشأن عمليات التخريب والهجمات الإلكترونية والتدخلات السياسية.
وفي هذا السياق، تسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز تبادل المعلومات وتنسيق إجراءات مواجهة ما يعرف بـ«الحرب الهجينة»، خصوصًا أن هذه العمليات لا تصل بالضرورة إلى مستوى الحرب العسكرية التقليدية، لكنها تستطيع إلحاق أضرار بالبنية التحتية وإرباك المجتمعات والتأثير في القرارات السياسية.
وتأتي التحركات الألمانية بالتزامن مع تقارير أوروبية عن تزايد المخاوف من محاولات روسية للتأثير في الانتخابات الأوروبية وزعزعة الثقة بالمؤسسات الديمقراطية عبر حملات تضليل وهجمات إلكترونية وعمليات تأثير مختلفة.
«زمن تحوّل 2.0».. هل تدخل ألمانيا مواجهة مفتوحة مع موسكو؟
إذا قررت برلين رسميًا تحميل موسكو مسؤولية هجوم لايبزيغ، فإن ذلك قد يمثل نقطة تحول جديدة في السياسة الألمانية تجاه روسيا.
فالمسألة لن تتعلق فقط بعقوبات إضافية، وإنما بإعادة تعريف طبيعة التهديد الذي تواجهه ألمانيا. وبحسب هذا التصور، لم تعد المواجهة محصورة في ساحات القتال في أوكرانيا، وإنما يمكن أن تمتد إلى الأراضي الأوروبية عبر عمليات تخريب وهجمات سيبرانية وطائرات مسيّرة واستهداف البنية التحتية الحيوية.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن «زمن تحوّل 2.0»، باعتباره تعبيرًا عن توجه ألماني نحو التخلي عن قدر أكبر من التحفظ السابق، والانتقال إلى سياسة تقوم على الردع والضغط وزيادة الدعم العسكري لأوكرانيا.
وفي حال مضت برلين والاتحاد الأوروبي في تنفيذ الحزمة الجديدة، فقد تدخل العلاقات الألمانية الروسية مرحلة أكثر صدامًا، خصوصًا مع توقع رد روسي على العقوبات والدعم العسكري لأوكرانيا.
وبينما لا تزال التفاصيل النهائية للإجراءات الألمانية قيد الإعداد، فإن حادث مطار لايبزيغ/هاله بات مرشحًا لأن يتحول إلى اختبار حقيقي للسياسة الأمنية الألمانية، ولقدرة برلين على مواجهة ما تعتبره تهديدًا روسيًا متزايدًا دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع موسكو.










