باريس – المنشر_الاخباري
تتجه فرنسا إلى توسيع نطاق تعاونها الدفاعي مع السويد عبر احتمال تزويد البحرية السويدية بصاروخ MdCN البحري بعيد المدى، في خطوة ستكون الأولى من نوعها بالنسبة إلى ستوكهولم، وقد تمنحها قدرة متقدمة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى من البحر.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع صفقة ضخمة تستعد السويد لإبرامها مع شركة Naval Group الفرنسية لشراء أربع فرقاطات حديثة، بقيمة تصل إلى نحو 4.3 مليار يورو، في واحدة من أكبر صفقات التسلح في تاريخ السويد الحديث. ومن المقرر أن توقع ستوكهولم العقد في 31 أغسطس بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
صاروخ فرنسي بقدرات بعيدة المدى
يمثل MdCN، أو «صاروخ كروز البحري»، أحد أبرز أسلحة الضربات بعيدة المدى في الترسانة الفرنسية. وهو صاروخ مصمم أساسًا لتنفيذ هجمات دقيقة ضد أهداف برية من منصات بحرية، وليس مجرد سلاح تقليدي لمواجهة السفن.
وقد دخل الصاروخ الخدمة لدى البحرية الفرنسية منذ عام 2017 على متن فرقاطات FREMM، قبل أن يستخدم أيضًا من الغواصات الفرنسية، ليصبح جزءًا من منظومة الضربات بعيدة المدى التي تمتلكها باريس.
وتشير تقارير متداولة حول الصفقة السويدية إلى أن مدى الصاروخ قد يصل إلى نحو 1,400 كيلومتر، وهو ما يضعه ضمن فئة الأسلحة التي يمكنها الوصول إلى أهداف عميقة بعيدًا عن منطقة انتشار السفينة الحاملة.
ومع ذلك، فإن التفاصيل النهائية بشأن تسليح الفرقاطات السويدية بصواريخ MdCN لم تُحسم بصورة نهائية، ولذلك فإن الحديث عن امتلاك السويد لهذه القدرة يجب التعامل معه باعتباره احتمالًا قيد التطوير وليس أمرًا مكتملًا.
أربع فرقاطات فرنسية بقيمة 4.3 مليار يورو
الجزء المؤكد من الصفقة يتعلق بأربع فرقاطات من طراز FDI ستبنيها Naval Group لصالح البحرية السويدية.
وكانت السويد قد اختارت Naval Group في مايو الماضي بعد منافسة مع عروض من إسبانيا وبريطانيا، في صفقة وصفت بأنها أكبر عملية شراء دفاعية سويدية منذ عقود.
وتبلغ قيمة العقد نحو 4.3 مليار يورو، بينما من المنتظر أن يبدأ تسليم الفرقاطات في عام 2030. وتأتي هذه السفن ضمن برنامج السويد لبناء قدرات بحرية أكبر وأكثر ملاءمة للعمليات في بحر البلطيق وفي إطار التزاماتها الجديدة داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو».
دفاع جوي وضربات بعيدة المدى
لا تقتصر أهمية الفرقاطات الجديدة على حجمها أو عددها، بل على منظومة التسليح التي يمكن أن تحملها.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الفرقاطات السويدية ستُجهز بصواريخ Aster 30 للدفاع الجوي بعيد المدى، ما سيمنح البحرية السويدية قدرة أكبر على حماية السفن والقوات والمنشآت الحيوية من التهديدات الجوية والصاروخية.
وبذلك، ستجمع السفن الجديدة بين مهام متعددة تشمل الدفاع الجوي، والحرب ضد الغواصات، ومواجهة التهديدات البحرية، إلى جانب إمكانية تنفيذ ضربات بعيدة المدى إذا جرى اعتماد صواريخ MdCN ضمن التجهيز النهائي.
وهذه النقلة تعني أن السويد لا تشتري مجرد سفن دورية، وإنما منصات قتالية متقدمة يمكن دمجها في عمليات بحرية واسعة النطاق.
لماذا تريد السويد هذه القدرات الآن؟
الموقع الجغرافي للسويد يجعل بحر البلطيق عنصرًا أساسيًا في حساباتها العسكرية.
فبعد انضمام السويد إلى الناتو، أصبحت قدراتها البحرية جزءًا من منظومة دفاع جماعية تضم دولًا أخرى مطلة على البلطيق وشمال أوروبا. وفي ظل تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة، باتت ستوكهولم تنظر إلى امتلاك سفن قادرة على الدفاع الجوي ومواجهة الغواصات وحماية خطوط الملاحة باعتباره أولوية استراتيجية.
وكان رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون قد وصف الوضع الأمني في بحر البلطيق بأنه أكثر هشاشة وتنافسية مما كان عليه في العقود الماضية، فيما أكدت الحكومة أن الفرقاطات الجديدة ستعزز أمن المنطقة.
إذا دخل MdCN الخدمة السويدية
في حال قررت فرنسا تصدير MdCN إلى السويد وأُدرج الصاروخ ضمن التجهيزات النهائية للفرقاطات، فإن ذلك سيضيف عنصرًا جديدًا إلى القوة البحرية السويدية.
فالفرقاطة التي تحمل صاروخ كروز بعيد المدى لا تحتاج بالضرورة إلى الاقتراب من مناطق التهديد من أجل تنفيذ ضربة ضد هدف بري، ما يمنح القيادة العسكرية خيارات أوسع في إدارة الأزمات والعمليات بعيدة المدى.
كما أن هذه القدرة يمكن أن تجعل السفن السويدية أكثر أهمية ضمن عمليات الناتو المشتركة، لأنها لا تقتصر على حماية المجال البحري القريب، بل يمكن أن تساهم في عمليات أوسع وفقًا للقرارات السياسية والعسكرية للحلف.
فرنسا تعزز حضورها في سوق السلاح الأوروبي
الصفقة تحمل أهمية أيضًا بالنسبة إلى فرنسا، التي تسعى إلى تعزيز حضور صناعاتها الدفاعية في الأسواق الأوروبية.
وفوز Naval Group بالعقد السويدي يفتح أمام الصناعة الفرنسية فرصة لتعزيز موقعها في سوق الفرقاطات الأوروبية، في وقت تتجه فيه دول القارة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتحديث أساطيلها البحرية.
كما أن الصفقة تعكس تقاربًا متزايدًا بين باريس وستوكهولم في المجال العسكري، خصوصًا بعد التحولات الأمنية التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
سباق تسلح جديد في شمال أوروبا؟
لا يمكن فصل الصفقة عن الاتجاه الأوسع الذي تشهده أوروبا نحو تعزيز القدرات العسكرية بعيدة المدى.
فدول شمال وشرق القارة تعمل على تطوير دفاعاتها الجوية والبحرية والصاروخية، بينما أصبح بحر البلطيق منطقة ذات أهمية متزايدة في التخطيط العسكري الأوروبي.
ومن هنا، فإن حصول السويد على أربع فرقاطات حديثة، مدعومة بأنظمة دفاع جوي متقدمة، ومع احتمال إضافة صواريخ كروز بعيدة المدى، قد يرفع مستوى الردع البحري السويدي ويعزز قدرات الناتو في شمال أوروبا.
لكن تأثير الصفقة الحقيقي سيعتمد على تفاصيل التسليح النهائية، خصوصًا ما إذا كان MdCN سيدخل بالفعل ضمن منظومة الأسلحة السويدية.
وفي جميع الأحوال، فإن شراء الفرقاطات الفرنسية يمثل تحولًا كبيرًا في مسار تحديث البحرية السويدية، ويؤكد أن ستوكهولم تتحرك نحو بناء قوة بحرية أكبر وأكثر قدرة على العمل ضمن منظومة الناتو.
ومع بدء تسليم السفن اعتبارًا من عام 2030، قد تدخل السويد خلال العقد المقبل مرحلة جديدة من القوة البحرية، يكون فيها بحر البلطيق ليس مجرد مجال للدفاع الساحلي، بل ساحة لعمليات بحرية أكثر تعقيدًا وقدرات تمتد إلى مسافات بعيدة.










