انقرة- المنشر_الاخباري
استقبل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اليوم الأحد، في العاصمة أنقرة، رئيس هيئة الأركان العامة الليبية المكلف الفريق أول صلاح الدين النمروش، في لقاء يأتي وسط تحركات تركية متسارعة تجاه الملف الليبي، وتزامناً مع مرحلة سياسية وأمنية حساسة تسعى خلالها ليبيا إلى تجاوز الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة.
وأظهر اللقاء، الذي جرى في أنقرة، استمرار التواصل رفيع المستوى بين تركيا والقيادات الليبية، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالأمن والدفاع. ولم تُعلن حتى الآن تفاصيل المباحثات التي جرت بين فيدان والنمروش، أو ما إذا كانت المحادثات أسفرت عن اتفاقات جديدة، إلا أن طبيعة اللقاء وتوقيته يفتحان الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن مستقبل التعاون العسكري بين البلدين.
ويأتي اجتماع فيدان والنمروش بعد تحركات تركية لافتة خلال شهر أغسطس، شملت اتصالات مكثفة مع أطراف سياسية وعسكرية ليبية في غرب البلاد وشرقها. وكان فيدان قد زار ليبيا في 11 و12 أغسطس، والتقى خلال زيارته رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، إلى جانب مسؤولين أمنيين وعسكريين في طرابلس. كما انتقل إلى بنغازي والتقى المشير خليفة حفتر ونائبه الفريق أول صدام حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح.
هذه التحركات تكشف جانباً مهماً من السياسة التركية الجديدة تجاه ليبيا، إذ تبدو أنقرة حريصة على الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، وعدم حصر علاقاتها في طرف جغرافي أو سياسي واحد.
وقد أكد فيدان عقب جولته الأخيرة في ليبيا أن تركيا تريد دعم وحدة البلاد، وأنها ستواصل دورها البناء والوسيط بين الأطراف الليبية، مشيراً إلى وجود دعم واسع لفكرة إعادة توحيد ليبيا. كما قال إن أنقرة تنظر إلى العلاقات مع شرق ليبيا وغربها باعتبارها جزءاً من سياسة تستهدف الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية ومؤسسات الدولة.
ومن هنا تكتسب زيارة النمروش إلى أنقرة أهمية خاصة.
فالنمروش يشغل منصباً عسكرياً رفيعاً، والملف الذي يمثله يرتبط مباشرة بإحدى أكثر القضايا تعقيداً في ليبيا، وهي مستقبل المؤسسة العسكرية وإمكانية الوصول في نهاية المطاف إلى جيش موحد تحت مظلة الدولة.
المؤسسة العسكرية.. العقدة الأصعب
منذ سنوات، ظل الانقسام العسكري أحد أبرز مظاهر الأزمة الليبية. فالصراع السياسي لم يؤد فقط إلى تعدد المؤسسات السياسية والتنفيذية، بل انعكس أيضاً على المؤسسة الأمنية والعسكرية، مع وجود تشكيلات وقوى عسكرية متعددة في مناطق مختلفة من البلاد.
ولهذا فإن أي مسار سياسي يهدف إلى إنهاء الانقسام يحتاج في مرحلة ما إلى معالجة الملف العسكري، سواء من خلال توحيد المؤسسات أو إعادة تنظيم التشكيلات المسلحة أو الاتفاق على هيكل واضح للقيادة والسيطرة.
وهنا يأتي الدور التركي، خصوصاً أن أنقرة طورت خلال السنوات الماضية تعاوناً دفاعياً وأمنياً واسعاً مع السلطات الليبية في طرابلس.
ويشمل التعاون التركي الليبي مجالات التدريب والدعم العسكري والتنسيق الدفاعي، كما حافظت تركيا على وجود عسكري وتدريبي في ليبيا ضمن الأطر التي أقرتها الاتفاقات الثنائية.
لكن التطور اللافت في الأشهر الأخيرة هو أن التحرك التركي لم يعد مقتصراً على التواصل مع المؤسسات الموجودة في غرب ليبيا.
فزيارة فيدان إلى بنغازي ولقاءه بخليفة حفتر وصدام حفتر وعقيلة صالح حملت رسالة واضحة بأن أنقرة تريد التواصل مع الأطراف المؤثرة في شرق البلاد أيضاً.
وبالتالي، فإن استقبال النمروش في أنقرة بعد تلك الجولة يطرح سؤالاً أكبر حول ما إذا كانت تركيا تنتقل من مرحلة التعاون مع طرف ليبي محدد إلى محاولة لعب دور أوسع في إعادة ترتيب المشهد الليبي بأكمله.
هل تتحول أنقرة إلى وسيط عسكري؟
لا توجد معلومات معلنة تشير إلى أن تركيا تستعد لإطلاق مبادرة عسكرية جديدة في ليبيا، كما لا يوجد إعلان رسمي عن اتفاق دفاعي جديد بين أنقرة وطرابلس خلال لقاء فيدان والنمروش.
لكن المؤشرات السياسية المحيطة بالاجتماع تجعل الملف العسكري حاضراً بقوة.
فتركيا، بحسب تصريحات فيدان الأخيرة، تريد دعم وحدة ليبيا، وفي الوقت نفسه تمتلك علاقات دفاعية قوية مع المؤسسات العسكرية في غرب البلاد، بينما بدأت خلال الفترة الأخيرة في توسيع اتصالاتها مع الشخصيات العسكرية والسياسية في الشرق.
وهذا يضع أنقرة في موقع يسمح لها، نظرياً، بلعب دور أكبر في تقريب وجهات النظر حول المؤسسة العسكرية، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف الليبية.
لكن المهمة لن تكون سهلة.
فالخلافات العسكرية في ليبيا ليست منفصلة عن الخلافات السياسية، كما أن مسألة القيادة والسيطرة وتوزيع الصلاحيات والضمانات السياسية تمثل ملفات شديدة الحساسية بالنسبة إلى الأطراف المختلفة.
تحرك تركي في أكثر من اتجاه
ما يجعل التحرك التركي لافتاً هو تزامنه مع جهود دولية وأممية لدفع ليبيا نحو انتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية.
وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت مسارات سياسية جديدة تهدف إلى معالجة العقبات التي حالت دون إجراء الانتخابات، من بينها التفاهمات المتعلقة بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات والقوانين المنظمة للاستحقاقات المقبلة.
لكن الانتخابات وحدها لا تكفي لإنهاء الانقسام إذا لم تتوافر مؤسسة أمنية قادرة على حماية العملية الانتخابية واحترام نتائجها.
ولهذا فإن الملف العسكري سيظل مرتبطاً بشكل مباشر بمستقبل المسار السياسي.
ومن المحتمل أن يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل أنقرة حريصة على استمرار اتصالاتها بالقيادات العسكرية الليبية، خصوصاً مع دخول البلاد مرحلة جديدة من التنافس حول شكل الدولة ومؤسساتها.
البحر المتوسط حاضر في الحسابات التركية
هناك أيضاً بعد إقليمي لا يمكن تجاهله.
فليبيا تقع في موقع استراتيجي على البحر المتوسط، وتربطها مصالح مباشرة بملفات الطاقة والأمن والهجرة والتجارة.
كما أن العلاقات التركية الليبية ترتبط بملفات بحرية واقتصادية ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى أنقرة.
ومن ثم فإن الحفاظ على علاقة قوية ومستقرة مع ليبيا لا يمثل بالنسبة لتركيا ملفاً سياسياً فقط، بل يرتبط أيضاً بحسابات استراتيجية أوسع في شرق وجنوب المتوسط.
ولهذا فإن أي تطور في التعاون التركي الليبي، وخاصة في المجال العسكري، يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود البلدين.
ما الذي يمكن أن يحدث بعد لقاء أنقرة؟
حتى الآن، لا توجد تفاصيل رسمية عن مضمون المباحثات بين فيدان والنمروش، ولذلك فإن الحديث عن اتفاق عسكري جديد يجب أن يبقى في إطار الاحتمالات وليس الحقائق المؤكدة.
لكن اللقاء نفسه يأتي في سياق تحرك تركي متواصل.
فخلال أغسطس، التقى فيدان مسؤولين ليبيين من غرب البلاد، ثم توجه إلى شرقها والتقى أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية هناك، قبل أن يستقبل في أنقرة رئيس هيئة الأركان العامة الليبية المكلف.
وتشير هذه التحركات إلى أن أنقرة تراقب المشهد الليبي عن قرب، وتسعى إلى الحفاظ على موقعها كطرف قادر على التواصل مع أطراف متعددة.
وفي حال تطور هذا المسار، فقد نشهد خلال الفترة المقبلة مزيداً من الاجتماعات العسكرية والأمنية، وربما ترتيبات جديدة في مجالات التدريب والتعاون الدفاعي.
لكن الأهم سيكون معرفة ما إذا كانت تركيا ستكتفي بدعم المؤسسات الليبية التي تتعامل معها تقليدياً، أم ستسعى إلى استخدام علاقاتها المتزايدة مع مختلف الأطراف للمساهمة في ملف توحيد المؤسسة العسكرية.
وفي النهاية، فإن لقاء هاكان فيدان وصلاح الدين النمروش لا يمثل مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل يأتي في لحظة تحاول فيها ليبيا إعادة رسم ملامح المرحلة المقبلة.
فبين المسار الانتخابي، ومحاولات توحيد مؤسسات الدولة، والتحركات الإقليمية، يبقى الملف العسكري أحد المفاتيح الأساسية لأي تسوية شاملة.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يمثل استقبال فيدان لرئيس هيئة الأركان العامة الليبية المكلف خطوة جديدة في توسيع الدور التركي داخل الملف العسكري الليبي، أم أنه مجرد حلقة جديدة في سياسة أنقرة الرامية إلى التواصل مع جميع الأطراف تمهيداً لتوحيد ليبيا؟










