واشنطن – كشفت شبكة “سي إن إن” الأمريكية في تقرير موسع، استنادا إلى ستة مصادر مطلعـة، عن وجود مناقشات هادئة تجري في الآونة الأخيرة داخل مكاتب المؤسسة العسكرية وأروقة الاستخبارات الأمريكية، تتعلق بإمكانية خفض أعداد الأفراد والمنشآت العسكرية التي تتمركز فيها القوات الأمريكية عادة في منطقة الشرق الأوسط، وذلك تحسبا لأي قرار محتمل من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع المحتدم مع إيران.
وفي حال تم تنفيذ هذه التخفيضات المرتقبة، فإنها ستمثل تحولا استراتيجيا جديدا وجذريا في كيفية تعامل جهاز الأمن القومي الأمريكي مع منطقة طالما سعى الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون إلى الابتعاد عن المستنقع الخاص بها.
وتجدر الإشارة إلى أنه عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، عمدت الولايات المتحدة إلى توسيع شبكة ضخمة من القواعد والمنشآت العسكرية والاستخباراتية الدائمة؛ بهدف خوض الحروب الممتدة وتنفيذ الضربات في ست دول على الأقل، شملت العراق، وأفغانستان، وسوريا، وإيران، واليمن، وليبيا.
نقاط الضعف وثمن الصراع مع إيران
غير أن المواجهات والقتال الأخير مع إيران كشفا عن نقاط ضعف عميقة وبالغة الخطورة في البنية التحتية واللوجستية الأمريكية الممتدة في الشرق الأوسط.
فقد أصبحت العديد من هذه المواقع والقواعد أهدافا سهلة ومتكررة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، في حرب وصفت بأنها لا تحظى بشعبية واسعة وأسفرت عن مقتل 18 فردا من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية.
وأشار مسؤولون مشاركون في هذه النقاشات غير الرسمية داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات، إلى أنهم يسعون حاليا -بشكل جزئي على الأقل- إلى استشراف وقراءة ما قد يكون مقبولا لدى رئيس متقلب المزاج، والذي لم يعلن بوضوح، بحسب المصادر، عن استراتيجية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب.
فضلا عن ذلك، جعل ترامب في الماضي من تقليص حجم القوات الأمريكية في الخارج جزءا أساسيا من هويته السياسية الانتخابية.
وتجري هذه المباحثات الحساسة في وقت لا يزال فيه نحو 50 ألف جندي أمريكي، إضافة إلى حشد ضخم من الأصول العسكرية، مرابطين في الشرق الأوسط، من ضمنها حاملتا طائرات وأكثر من اثنتي عشرة مدمرة مزودة بصواريخ موجهة متطورة.
وفي هذا السياق، كشف أحد المصادر عن أن ضباطا في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، ممن أعيدوا إلى بلادهم خلال ذروة الاشتباكات في وقت سابق من هذا العام، يجري إرسالهم مجددا إلى المنطقة.
تعزيز الدفاعات وتحصينات تحت الأرض
وفي موازاة ذلك، يقيم الجيش الأمريكي بعناية سبل تعزيز وتطوير دفاعاته لحماية القوات التي يتوقع بقاؤها في المنطقة حتى بعد الانتهاء الفعلي للعمليات القتالية. ويشمل ذلك دراسة نقل بعض المنشآت الحساسة إلى مواقع محصنة تحت الأرض؛ بهدف تحسين قدرتها الكبيرة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات الصواريخ والمسيرات، مثل تلك التي شنتها طهران طوال أشهر الصراع.
وعلى الرغم من أن وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» ناقشت منذ فترات طويلة فكرة نقل بعض القواعد إلى باطن الأرض، فإن الفكرة اكتسبت طابعا ملحا وعاجلا بعد الأسابيع الأولى من الحرب، والتي أثبتت هشاشة هذه القواعد الظاهرة. وقال مسؤول أمريكي معلقا: “كانت نقاط الضعف معروفة دائما، لكن الولايات المتحدة لم تتخذ أي إجراء عاجل حيالها”.
وأكد مصدران أن المؤسسة العسكرية طورت بالفعل عدة مسارات عمل محتملة لإعادة هيكلة القوات الأمريكية في الشرق الأوسط اعتبارا من العام المقبل، مشيرين في الوقت ذاته إلى أنه لن يكون من المنطقي أو الاستراتيجي التخلي عن تلك المواقع الحيوية لإطلاق الطائرات طالما أن المعارك لا تزال مستمرة على الأرض.
أضرار بالغة في القواعد الخليجية وبدائل العمليات الخاصة
تأتي هذه النقاشات في وقت لا تبدو فيه الولايات المتحدة قريبة من التفاوض على تسوية سياسية مع إيران تضمن إنهاء الصراع نهائيا؛ إذ تواصل طهران شن هجمات على القواعد والقوات الأمريكية، شملت مؤخرا استهداف منشآت في الأردن والإمارات العربية المتحدة. وأكد مسؤولون أمريكيون أن حجم الأضرار كان كبيرا للغاية، لدرجة أن مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الرياض بالسعودية قد دمر فعليا جراء هجمات إيرانية، طبقا لما أفاد به مسؤول أمريكي وضابط استخبارات سابق.
وعلى الرغم من محاولات مسؤولي البنتاجون التقليل من حجم التأثير الإجمالي، إلا أن منشآت عسكرية أمريكية أخرى في كل من البحرين، وقطر، والسعودية، والكويت تعرضت لهجمات مكثفة بمسيرات وصواريخ ألحقت بها أضرارا جسيمة.
وردا على ذلك، درس بعض المسؤولين في وكالة الاستخبارات وقيادة العمليات الخاصة إمكانية تنفيذ المهام الحساسة دون الحاجة لإنشاء قواعد دائمة، وذلك عبر إبقاء الأفراد والمعدات داخل الأراضي الأمريكية، وإرسالهم لتنفيذ مهام محددة وسريعة في الشرق الأوسط ثم عودتهم الفورية للوطن.
وفي بعض الحالات، قد تقرر الإدارة الأمريكية ببساطة عدم إعادة بناء الأصول التي تعرضت لدمار شامل نتيجة الهجمات، لأسباب تتعلق بارتفاع التكاليف المالية. ومع ذلك، يتوقع مسؤولو البنتاجون الاحتفاظ ببعض القواعد الكبيرة، شريطة أن تبدي الدول المضيفة استعدادها للمساهمة في تكاليف إعادة الإعمار التي قد تصل إلى مليارات الدولارات.










