كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية عن تطور عسكري مثير في الحرب الروسية الأوكرانية، مشيرة إلى أن موسكو قد تكون بصدد تغيير تكتيكاتها والتركيز بصورة أكبر على العاصمة كييف، عبر استهداف الجسور الحيوية الممتدة فوق نهر دنيبرو، في محاولة لشل حركة المدينة وزيادة الضغط على السكان مع اقتراب فصل الشتاء.
وبحسب التقرير، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كلف الجنرال سيرغي سوروفيكين، المعروف بلقب «الجنرال هرمجدون»، بالاضطلاع بدور في تنفيذ هذه الاستراتيجية، وسط حديث عن تصعيد الضربات ضد البنية التحتية الحيوية في العاصمة.
ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من وجود أمر مباشر من بوتين إلى سوروفيكين لتدمير جسور كييف، كما لم يصدر إعلان رسمي روسي يؤكد هذه المعلومات. وتستند الرواية إلى تحليل نشرته «تلغراف» بشأن الاتجاه المحتمل للعمليات الروسية، في وقت تشهد فيه كييف بالفعل تصعيدًا في الهجمات على جسورها.
جسور كييف تتحول إلى ساحة المعركة
وتأتي هذه التقارير بعد سلسلة ضربات روسية استهدفت جسورًا رئيسية فوق نهر دنيبرو خلال الأيام الماضية.
وقالت تقارير دولية إن الضربات أدت إلى إغلاق أو تعليق حركة المرور جزئيًا على عدة جسور، وتسببت في اختناقات مرورية واسعة داخل العاصمة. واستُهدف الجسر الجنوبي على نحو متكرر، بينما تعرض الجسر الشمالي لضربات أخرى أدت إلى أضرار في الطريق وشبكات النقل العام.
وبحسب تقارير أميركية، فإن الهجمات على ثلاثة جسور على الأقل أجبرت السلطات على فرض قيود على الحركة، في محاولة للتعامل مع الأضرار وتخفيف الاختناقات. ويكتسب الأمر أهمية خاصة لأن كييف مدينة مقسومة جغرافيًا بنهر دنيبرو، ويعتمد ملايين السكان على الجسور للانتقال بين الضفتين.
وأشارت «تلغراف» إلى أن ضرب الجسور لا يعني بالضرورة تدميرها بالكامل؛ فحتى الأضرار المحدودة والإغلاق المؤقت يمكن أن يخلق أزمة نقل واسعة ويعطل حركة المركبات والقطارات ووسائل النقل العام.
«الجنرال هرمجدون» يعود إلى الواجهة
ويرتبط اسم سوروفيكين بواحدة من أكثر المراحل كثافة في الضربات الروسية ضد البنية التحتية الأوكرانية.
وسبق للجنرال الروسي أن تولى قيادة القوات الروسية في أوكرانيا، كما ارتبط اسمه بحملة القصف الواسعة على البنية التحتية الأوكرانية خلال الحرب، الأمر الذي أكسبه لقب «الجنرال هرمجدون».
وتشير التقارير الحالية إلى أن موسكو قد تستفيد من خبرته في إدارة حملات القصف بعيدة المدى، خصوصًا في ظل صعوبة تحقيق اختراق حاسم على خطوط الجبهة.
وتقول «تلغراف» إن التركيز الروسي قد ينتقل بصورة أكبر من محاولة تحقيق مكاسب ميدانية سريعة إلى إضعاف قدرة المدن الأوكرانية على العمل بصورة طبيعية، عبر استهداف شبكات النقل والطاقة والاتصالات والمنشآت الحيوية.
لماذا الجسور؟
تمثل جسور دنيبرو شريانًا أساسيًا للعاصمة الأوكرانية، ليس فقط لحركة السكان، وإنما أيضًا لنقل البضائع والمعدات بين جانبي المدينة.
ويُعتقد أن تعطيل هذه المنشآت يمكن أن يخلق تأثيرًا يتجاوز الضرر المباشر، إذ يؤدي إغلاق عدد محدود من المعابر إلى تحويل حركة المرور إلى طرق بديلة محدودة، ما يسبب اختناقات ضخمة ويعقد عمليات النقل والإمداد.
وأشارت تقارير إلى أن الضربات الأخيرة لم تؤدِّ إلى انهيار الجسور الرئيسية، لكنها تسببت في تعطيل حركة المرور وإجبار السلطات على تغيير مسارات النقل.
وتأتي هذه الهجمات في إطار حملة روسية أوسع ضد البنية التحتية الأوكرانية، شملت الطاقة والموانئ والاتصالات ومرافق مدنية أخرى، وفق تقارير دولية.
موسكو أمام معركة مختلفة
ويرى التحليل الذي نقلته الصحيفة البريطانية أن موسكو قد تحاول استغلال حالة الاستنزاف على الجبهة ونقص الموارد الدفاعية الأوكرانية، خصوصًا صواريخ الدفاع الجوي، لزيادة عدد الضربات على المدن الكبرى.
وتشير تقارير حديثة إلى أن القوات الروسية تواجه صعوبات في تحقيق تقدم حاسم في بعض محاور دونباس، في حين تستمر القوات الأوكرانية في مقاومة التقدم الروسي حول مناطق مثل بوكروفسك وليمان.
وفي الوقت ذاته، تواجه موسكو تحديات مرتبطة بتجنيد العدد الكافي من الجنود لتعويض خسائرها، وهو ما يضع الكرملين أمام خيارات عسكرية وسياسية أكثر تعقيدًا.
ومن هذا المنظور، قد يصبح الضغط على المدن والبنية التحتية وسيلة لمحاولة التأثير في قدرة أوكرانيا على مواصلة الحرب، بدل الاعتماد حصريًا على تحقيق اختراقات عسكرية كبيرة على خطوط التماس.
الشتاء يرفع المخاوف
ويزيد اقتراب الشتاء من أهمية هذه الاستراتيجية المحتملة، إذ تعتمد أوكرانيا بشكل كبير على استقرار شبكات الكهرباء والتدفئة والنقل خلال أشهر البرد.
وقد يؤدي تزامن ضرب الجسور مع استهداف منشآت الطاقة إلى خلق أزمة مركبة، تجمع بين صعوبة التنقل وانقطاع الخدمات وارتفاع الضغط على المدن الكبرى.
وتشهد كييف بالفعل أجواء أمنية متوترة، مع استمرار الغارات الروسية بطائرات مسيّرة وصواريخ، فيما يحاول المسؤولون الأوكرانيون تعزيز قدرات الدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية.
وأفادت تقارير بأن الضربات الأخيرة على الجسور تسببت في اضطرابات كبيرة بحركة المرور، بينما وصف مسؤولون محليون الوضع بأنه بالغ الصعوبة مع تزايد الهجمات.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع موسكو تحويل ضربات البنية التحتية إلى ضغط سياسي يجبر كييف على تقديم تنازلات؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات مستقلة تؤكد أن استهداف الجسور سيؤدي إلى تغيير الموقف السياسي الأوكراني، كما أن مدى قدرة روسيا على تعطيل شبكة النقل في العاصمة بصورة مستمرة لا يزال غير واضح.
وبينما تتحدث «تلغراف» عن احتمال تكليف سوروفيكين بمهمة استهداف جسور كييف، تؤكد الوقائع الميدانية أن الجسور تعرضت بالفعل لضربات روسية خلال الأيام الماضية. أما وجود أمر مباشر من بوتين بتدمير جميع جسور العاصمة، أو تولي سوروفيكين رسميًا هذه المهمة، فلا يزال بحاجة إلى تأكيد مستقل.
ومع اقتراب الشتاء، تبدو كييف أمام مرحلة أكثر صعوبة، في وقت تتجه فيه الحرب تدريجيًا نحو معركة لا تستهدف خطوط الجبهة فقط، وإنما قدرة المدن الأوكرانية نفسها على الصمود والاستمرار في العمل تحت القصف.










