محادثات أبوظبي بين تعقيد الشروط الروسية وضغوط واشنطن لاحتواء حرب لم تبلغ ذروتها بعد
مع زيارة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إلى أبوظبي، تعود التحركات الدبلوماسية بين روسيا وأوكرانيا وسط تشكيك روسي وتقديرات متباينة حول فرص التهدئة أو التصعيد.
عاد المسار الدبلوماسي المتعلق بالحرب الروسية–الأوكرانية إلى الواجهة مجددًا، مع الاستعداد لعقد جولة محادثات جديدة في أبوظبي يومي الأربعاء والخميس، بالتزامن مع إعلان زيارة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، في خطوة تعكس انخراطًا أمريكيًا أكثر وضوحًا في إدارة أحد أعقد ملفات الصراع الدولي.
وتأتي زيارة ويتكوف قبل استئناف المباحثات المرتقبة، لتعيد طرح تساؤلات حول ما إذا كانت الجهود السياسية قد تجاوزت مرحلة الاتصالات التمهيدية، ودخلت اختبار النوايا الحقيقية بين موسكو وكييف، لا سيما في ظل توصيف روسي للمشاورات بأنها “شديدة التعقيد” وتتعلق بملفات حساسة لا يمكن تداولها علنًا.
في المقابل، حرصت التصريحات الأوكرانية على إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة، مع تأكيد الاستعداد لخوض مناقشات موضوعية تهدف إلى إنهاء الحرب، مع التركيز على قضايا الأراضي والطاقة، وسط ضغوط أمريكية متزايدة لدفع كييف نحو ترتيبات سياسية قد تُنهي الصراع المستمر منذ سنوات.
أما موسكو، فلا تزال متمسكة بثوابتها الأساسية، وعلى رأسها انسحاب القوات الأوكرانية من إقليم دونباس، ورفض أي وجود عسكري غربي داخل الأراضي الأوكرانية، معتبرة هذه الشروط غير قابلة للتفاوض، مهما تغيّر مكان المباحثات أو الوسطاء.
قراءة روسية متشائمة
وفي هذا السياق، قلل سيرغي ماركوف، المستشار السابق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من احتمالات التوصل إلى وقف قريب لإطلاق النار، معتبرًا أن التحركات الدبلوماسية الأخيرة، بما فيها زيارة ويتكوف إلى أبوظبي، لا تعكس اقتراب نهاية الحرب.
وأوضح ماركوف أن التقديرات داخل موسكو تشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر دموية وكثافة، وربما أكثر كلفة حتى على روسيا نفسها، مؤكدًا أن الصراع لم يصل بعد إلى ذروته، وأن المباحثات الحالية تُدار من منظور إدارة الصراع لا حله.
وأشار إلى أن جوهر الخلاف يتجاوز مسألة الانسحابات الميدانية، ليصل إلى رؤية موسكو لأوكرانيا كدولة يجب ألا تتحول إلى منصة ضغط عسكري أو أمني ضدها، لافتًا إلى أن مطالب روسيا تشمل وقف ما تصفه بـ”الإرهاب”، ورفض أي بنية عسكرية أجنبية داخل أوكرانيا.
وشدد ماركوف على أن انضمام كييف إلى حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي يظل خطًا أحمر بالنسبة لروسيا، مع التأكيد على ضرورة فرض قيود صارمة على حجم وتسليح الجيش الأوكراني، خاصة ما يتعلق بالصواريخ بعيدة المدى القادرة على الوصول إلى العمق الروسي.
مقاربة أمريكية لتحجيم الصراع
في المقابل، يرى المحلل السياسي إبراهيم كابان أن محادثات أبوظبي، المدعومة بالتحركات الأمريكية وزيارة ويتكوف، تمثل بداية عملية لتحجيم الخلافات بعد بلوغ التصعيد مستويات غير مسبوقة.
وأوضح كابان أن الولايات المتحدة لعبت دورًا أكثر فاعلية خلال الفترة الأخيرة، عبر ضغوط سياسية مباشرة قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف منع انزلاق الصراع إلى مراحل أكثر خطورة، واحتواء تداعياته الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن جولة المباحثات الجديدة في أبوظبي قد تشكل نقطة انطلاق لمسار أقل توترًا، دون القفز نحو تسوية شاملة، معتبرًا أن الطرفين دخلا مرحلة أولية من إعادة تقييم المواقف، في ظل الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجانبان.
وأضاف أن أي تفاهمات محتملة قد تدور حول بقاء روسيا في بعض المواقع داخل أوكرانيا، مقابل التزام بعدم انضمام كييف إلى الناتو، مع طرح بدائل سياسية واقتصادية، من بينها تعزيز علاقة أوكرانيا بالاتحاد الأوروبي دون تحويلها إلى قاعدة مواجهة مع موسكو.
بين الدبلوماسية والتصعيد
وبينما تعكس محادثات أبوظبي عودة واضحة للحراك الدبلوماسي، يرى مراقبون أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال محفوفًا بالعقبات، في ظل تباعد الرؤى الاستراتيجية، واستمرار الرهانات العسكرية، ما يجعل هذه الجولة اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الأطراف للانتقال من منطق الحرب إلى منطق السياسة.










