تقرير اقتصادي دولي يكشف عن تداعيات خطيرة للصراع في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة العالمية، مع تسجيل ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار النفط والغاز تهدد استقرار الاقتصاد العالمي وتزيد الضغوط على الدول المستهلكة
طهران – المنشر الإخباري
كشف تقرير اقتصادي حديث عن أن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد مجرد صراع إقليمي محدود، بل تحولت إلى عامل رئيسي في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، خصوصاً في قطاع الطاقة الذي شهد واحدة من أعنف موجات الارتفاع في الأسعار منذ أكثر من ربع قرن. ويشير التقرير إلى أن هذه التطورات أدت إلى اضطراب واسع النطاق في أسواق النفط والغاز، وتسببت في ضغوط تضخمية متصاعدة طالت معظم الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء، في وقت تتزايد فيه المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة عدم استقرار ممتدة.
وأوضح التقرير الصادر عن بنك “يو بي إس” السويسري أن أسعار الطاقة ارتفعت في المتوسط بنسبة 5.5% خلال شهر مارس فقط، وهي نسبة تُعد مرتفعة للغاية إذا ما قورنت بالتحركات الطبيعية للأسواق العالمية خلال فترات الاستقرار. ويؤكد التقرير أن هذه القفزة تُصنف ضمن أسرع موجات التضخم المرتبطة بالطاقة في السنوات الأخيرة، حيث لم يعد التأثير محصوراً في أسواق النفط الخام فقط، بل امتد ليشمل الغاز الطبيعي، وتكاليف الشحن، وأسعار التأمين البحري، وحتى سلاسل الإمداد الصناعية المرتبطة بالطاقة بشكل مباشر أو غير مباشر.
اضطراب عالمي واسع في أسواق الطاقة
ويشير التحليل الاقتصادي إلى أن الارتفاع الحاد في الأسعار لم يكن ظاهرة محلية أو إقليمية، بل شمل نطاقاً واسعاً من الاقتصادات حول العالم، حيث سجلت نحو ثلثي الدول التي تم رصد بياناتها زيادات شهرية غير معتادة في أسعار الطاقة، وصلت في بعض الحالات إلى مستويات تاريخية لم تُسجل منذ عقود. ويؤكد التقرير أن هذه الزيادات دفعت العديد من المؤشرات الاقتصادية إلى مناطق “الذروة الحرجة”، بما يعكس حجم الصدمة التي تتعرض لها الأسواق في الوقت الحالي.
وقال رئيس قسم الاقتصاد والاستراتيجية في بنك “يو بي إس”، أريند كابتين، إن البيانات التي اعتمد عليها التقرير تغطي نحو 45 اقتصاداً حول العالم، تمثل مجتمعة أكثر من 85% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يمنح هذه المؤشرات دلالة قوية على أن الأزمة ليست محدودة جغرافياً، بل ذات تأثير عالمي شامل. وأضاف أن الأسواق حالياً تمر بمرحلة “صدمة طاقة مركبة”، تتداخل فيها عوامل جيوسياسية مع اضطرابات في سلاسل التوريد، ما يجعل من الصعب التنبؤ باتجاه الأسعار على المدى القريب.
وأشار كابتين إلى أن مستويات التقلب الحالية تجاوزت حتى تلك التي سُجلت خلال الأزمات الكبرى السابقة، بما في ذلك أزمة الطاقة التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022، وهو ما يعكس عمق التأثير الحالي للأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط.
النفط والغاز عند مستويات ضغط غير مسبوقة
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، فقد ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 69% منذ بداية العام، في حين سجلت عقود الغاز الأوروبية القياسية في هولندا، والمعروفة باسم TTF، زيادة بلغت 59% خلال عام 2026. وتُعد هذه القفزات من بين الأكبر في تاريخ أسواق الطاقة الحديثة، حيث تعكس حالة من القلق الشديد لدى المستثمرين بشأن استمرارية الإمدادات واستقرار طرق النقل الدولية.
ورغم هذا الصعود الحاد، تشير البيانات إلى أن أسعار النفط لم تتجاوز بعد حاجز 100 دولار للبرميل، وهو مستوى نفسي بالغ الأهمية في أسواق الطاقة العالمية. ويرجع ذلك، بحسب محللين، إلى وجود توقعات متزايدة بإمكانية التوصل إلى تفاهمات سياسية أو تهدئة تدريجية قد تعيد فتح ممرات الشحن الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يعد شرياناً أساسياً لتدفق النفط من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
ويبرز مضيق هرمز كأحد أهم عوامل الضغط في الأزمة الحالية، حيث أدى التوتر العسكري في المنطقة إلى اضطراب حركة الملاحة البحرية بشكل كبير، ما انعكس مباشرة على تكلفة نقل النفط والغاز عالمياً. ويُعتبر هذا المضيق واحداً من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، ما يجعله نقطة محورية في استقرار الأسواق الدولية.
ووفقاً للتقرير، فإن أي قيود على حركة الملاحة في هذا الممر تؤدي إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية المتسارعة، تبدأ بارتفاع أسعار التأمين البحري، مروراً بزيادة تكاليف الشحن، وصولاً إلى ارتفاع أسعار الطاقة النهائية التي يتحملها المستهلك في مختلف أنحاء العالم. كما أشار التقرير إلى أن بعض شركات النقل البحري باتت تعيد تقييم مساراتها التجارية بالكامل لتجنب المخاطر المرتبطة بالمرور عبر المنطقة.
تحذيرات أمريكية من استمرار ارتفاع الأسعار
وفي سياق متصل، حذر وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت من أن أسعار النفط قد تواصل ارتفاعها خلال الأسابيع المقبلة إذا استمرت الاضطرابات في طرق الشحن عبر مضيق هرمز. وأوضح أن الأسواق العالمية ستبقى تحت ضغط واضح طالما ظل تدفق السفن غير مستقر، مشيراً إلى أن أي تعطيل إضافي قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
وقال رايت إن “أسعار الطاقة ستظل مرتفعة وربما تشهد مزيداً من الارتفاع حتى يعود تدفق السفن إلى وضعه الطبيعي”، مضيفاً أن الفترة المقبلة قد تشهد ذروة في الأسعار إذا لم يحدث تقدم سياسي أو أمني في المنطقة.
جذور الأزمة: مواجهة عسكرية واسعة
ويعود التقرير في خلفيته إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 فبراير، والتي شملت عمليات عسكرية متبادلة وضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة، إلى جانب تداعيات سياسية وأمنية امتدت إلى عدة دول في المنطقة.
وتؤكد إيران أنها نفذت ردوداً عسكرية ضمن إطار ما تصفه بالدفاع عن النفس، عبر استهداف مواقع عسكرية في المنطقة، بينما ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن تلك العمليات تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي ولأمن الطاقة العالمي، ما أدى إلى تصاعد حدة التوتر بين الأطراف.
تأثير اقتصادي يتجاوز حدود الصراع
ويرى خبراء اقتصاديون أن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد أزمة طاقة تقليدية مرتبطة بالنفط والغاز، بل تحول إلى أزمة اقتصادية عالمية شاملة تؤثر على أسعار الغذاء والنقل والتصنيع والتضخم في مختلف الاقتصادات. ويشير هؤلاء إلى أن الطاقة أصبحت في قلب النظام الاقتصادي العالمي، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير مباشر وسريع على حياة المستهلكين.
كما يحذر محللون من أن استمرار التوتر في مضيق هرمز تحديداً قد يؤدي إلى موجات جديدة من التضخم العالمي، خاصة في الدول المستوردة للطاقة، حيث ستنعكس الزيادات في الأسعار على تكاليف الإنتاج والمعيشة بشكل مباشر.
سيناريوهات مفتوحة أمام الاقتصاد العالمي
ومع استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة أمام الأسواق العالمية، بين احتمال التهدئة التدريجية وعودة المفاوضات السياسية، أو استمرار التصعيد بما قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.
وفي كل الأحوال، يبدو أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة حساسة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية بالطاقة والاقتصاد بشكل غير مسبوق، ما يجعل السنوات المقبلة مرشحة لتقلبات حادة قد تعيد تشكيل موازين الأسواق العالمية.










