البرلمان الإيراني يعلن دعمه لموقف البابا الرافض للحرب، ويهاجم تصريحات ترامب التي اعتُبرت إساءة لرمزية دينية عالمية وسط تصاعد التوترات السياسية والدينية
طهران – المنشر الإخباري
أدان النواب المسيحيون في البرلمان الإيراني تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد بابا الفاتيكان، معتبرين أنها تمثل “إهانة للإنسانية” وتجاوزًا خطيرًا للحدود الأخلاقية والدبلوماسية في التعامل مع الرموز الدينية، ومؤكدين في الوقت نفسه دعمهم الكامل للموقف الذي يتبناه البابا الرافض للحرب، وذلك في بيان رسمي صدر باسم الطائفة المسيحية داخل إيران، في خطوة تعكس حضورًا لافتًا للخطاب الديني داخل السياق السياسي الإيراني خلال المرحلة الراهنة.
وجاء في البيان المشترك الصادر عن ثلاثة نواب مسيحيين داخل البرلمان الإيراني أن تصريحات ترامب التي وصف فيها البابا بـ”الضعف”، إلى جانب نشره صورة شخصية له في هيئة السيد المسيح، تمثل تجاوزًا خطيرًا لا يقتصر على الخلاف السياسي، بل يمتد ليشكل إساءة مباشرة لرموز دينية ذات مكانة عالمية، معتبرين أن مثل هذه التصرفات تسهم في تعميق الانقسام الثقافي والديني على المستوى الدولي، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بالحرب الجارية في المنطقة.
وأشار النواب إلى أن هذه التصريحات جاءت في سياق رد فعل على موقف بابا الفاتيكان، الذي دعا خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى وقف ما وصفه بـ”وهم القوة المطلقة” الذي يغذي الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، معتبرًا أن استمرار هذا النهج العسكري لا يهدد فقط استقرار المنطقة، بل ينعكس سلبًا على الأمن العالمي برمته، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توسع رقعة الصراع وتداخل أبعاده السياسية والدينية والإنسانية بشكل غير مسبوق.
وفي هذا السياق، أكد النواب المسيحيون أن التعاليم الدينية، بما فيها المسيحية، تقوم على مبادئ السلام والمحبة والتعايش، مشددين على أن جوهر الرسالات السماوية يرفض بشكل قاطع منطق الحرب والتدمير، وأن أي خطاب سياسي يتعارض مع هذه المبادئ يبتعد عن القيم الإنسانية الجامعة التي يفترض أن تكون أساس العلاقات بين الشعوب والدول، خاصة في أوقات الأزمات والنزاعات المسلحة التي تتطلب خطابًا أكثر مسؤولية واتزانًا.
كما أعرب النواب عن تقديرهم للموقف الذي اتخذه البابا، معتبرين أنه يمثل صوتًا أخلاقيًا مهمًا في لحظة حرجة يشهد فيها العالم تصاعدًا في حدة التوترات الدولية، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الاعتبارات الإنسانية والدينية، ما يجعل الحاجة إلى خطاب السلام أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، وفق ما جاء في البيان الذي شدد على ضرورة احترام الرموز الدينية وعدم استخدامها في الصراعات السياسية.
وفي المقابل، وجّه البيان انتقادات حادة لتصريحات ترامب، واصفًا إياها بأنها مضللة ومهينة، ومؤكدًا أن استخدامها في سياق الصراع السياسي يعكس تراجعًا في مستوى الخطاب الدولي، ويسهم في زيادة الاستقطاب على أسس دينية وسياسية، وهو ما قد يؤدي إلى تعقيد المشهد العالمي بدلًا من تهدئته، خصوصًا في ظل التوترات القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تمتد تداعياتها إلى مناطق متعددة حول العالم.
وأشار النواب كذلك إلى أن أي إساءة للرموز الدينية أو القيادات الروحية لا يمكن التعامل معها باعتبارها خلافًا سياسيًا عابرًا، بل هي اعتداء مباشر على القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع البشر على اختلاف معتقداتهم وخلفياتهم، مؤكدين أن احترام المقدسات يمثل ركيزة أساسية للتعايش السلمي، وأن تجاوز هذه الخطوط يهدد بإشعال مزيد من التوترات على المستوى الدولي.
وفي سياق متصل، انضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موجة الإدانة، حيث أعرب عن رفضه لتصريحات ترامب، مؤكدًا أن أي إساءة للنبي عيسى عليه السلام أو للرموز الدينية بشكل عام تعد أمرًا مرفوضًا لدى الشعوب الحرة، ومشددًا على أن احترام الأديان يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي خطاب سياسي أو دبلوماسي مسؤول، خصوصًا في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها المنطقة.
وتأتي هذه التطورات في ظل حرب اندلعت في 28 فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وشهدت عمليات عسكرية واسعة النطاق وتبادلًا للاتهامات حول استهداف المدنيين والبنية التحتية، ما أدى إلى تصاعد غير مسبوق في حدة الخطاب السياسي والإعلامي بين الأطراف المتنازعة، ودخول عناصر دينية ورمزية على خط الأزمة بشكل متزايد.
كما رافقت هذه الحرب موجة من التصريحات السياسية والدينية التي أسهمت في توسيع نطاق الجدل الدولي حول شرعية العمليات العسكرية وحدود استخدام الخطاب الديني في النزاعات السياسية، الأمر الذي جعل الأزمة تتجاوز الإطار التقليدي للصراع العسكري لتتحول إلى مواجهة متعددة الأبعاد تشمل السياسة والدين والإعلام.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف الصادر عن النواب المسيحيين في إيران يعكس محاولة لإبراز صورة داخلية وخارجية في آن واحد، حيث يسعى إلى التأكيد على أن الأقليات الدينية داخل البلاد تشارك في الموقف الوطني العام، وفي الوقت نفسه تقديم خطاب يركز على السلام والتعايش في مواجهة ما يعتبرونه تصعيدًا سياسيًا وإعلاميًا متزايدًا من الجانب الأمريكي.
ويضيف محللون أن دخول الرموز الدينية على خط هذا النوع من الأزمات يعكس تعقيدًا متزايدًا في المشهد الدولي، حيث لم تعد الصراعات تقتصر على الأبعاد العسكرية أو السياسية فقط، بل امتدت لتشمل البعد الرمزي والقيمي، وهو ما يزيد من صعوبة احتواء التوترات أو التوصل إلى حلول سريعة لها، في ظل استمرار حالة الاستقطاب الحاد بين القوى الفاعلة على الساحة الدولية.










