باماكو – 30 أبريل 2026، تعيش جمهورية مالي واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية، حيث يواجه نظام المجلس العسكري الحاكم تهديداً وجودياً غير مسبوق، فمع دخول الهجوم المشترك يومه الخامس، أعلن متمردو الطوارق (جبهة تحرير أزواد) عزمهم السيطرة الكاملة على المدن الاستراتيجية الثلاث في الشمال: غاو، تمبكتو، وميناكا، في وقت يطبق فيه مقاتلو “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” حصاراً خانقاً على العاصمة باماكو.
سقوط القواعد وحصار العاصمة
ميدانياً، حقق متمردو “أزواد” تقدماً استراتيجياً اليوم بمهاجمة قاعدة “غورما راروس” العسكرية شرق تمبكتو، والسيطرة على قاعدة “بير”، مما مكنهم من تطويق تمبكتو من ضفتي نهر النيجر في سابقة عسكرية تعكس قدرة الحركة على تجاوز معاقلها التقليدية في أقصى الشمال.
وفي الجنوب، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توضح توقف حركة الشحن تماماً نحو باماكو، حيث يفرض الجهاديون حصاراً على مداخل العاصمة، وسط اشتباكات عنيفة مع الجيش المالي (فاما) ومدعوميه من “فيلق أفريقيا” الروسي، الذين يحاولون بصعوبة استعادة السيطرة على الطرق الحيوية والمطار الدولي.
تحالف الضرورة: الشريعة “المرنة” وإدارة المدن
ما يميز هذا التصعيد هو مستوى التنسيق غير المسبوق بين جبهة تحرير أزواد (العلمانية الهوية) وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (التابعة للقاعدة). وبحسب محللين، يقضي الاتفاق الضمني بأن تتولى “أزواد” إدارة شؤون المدن، بينما تسيطر “النصرة” على المناطق الريفية، مع توافق على تطبيق “نسخة مرنة” من الشريعة الإسلامية.
ويرى خبراء أن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” تسعى من خلال هذا التحالف إلى تحسين صورتها الدولية عبر النأي بنفسها تدريجياً عن خطاب القاعدة العابر للحدود، والتركيز على المظالم المحلية، مما يمنحها شرعية إقليمية وحماية خلفية ضد تنظيم “داعش” الأكثر تطرفاً، والذي كان قد سيطر لفترة وجيزة على ميناكا قبل طرده بهجوم مضاد.
المخاطر الإقليمية: نذير شؤم للقارة
لا تقتصر تداعيات انهيار مالي على حدودها فحسب، بل تمتد لتشمل غرب أفريقيا بالكامل. فخلال العامين الماضيين، نجحت الجماعات المسلحة في مد نفوذها إلى دول مثل السنغال، ساحل العاج، وبنين، مما منحها موارد هائلة من طرق التهريب.
زعزعة استقرار مالي تعني فتح الباب أمام موجات هجرة غير مسبوقة نحو الشمال، وتحول المنطقة إلى قاعدة انطلاق لهجمات قد تستهدف دول الجوار الأكثر ثراءً.
ومع تراجع نفوذ القوى الدولية التقليدية وبروز الدور الروسي، تبدو المنطقة أمام مخاض عسير قد يعيد رسم حدود النفوذ في الساحل الأفريقي لسنوات قادمة.










