انتخاب جديد يعيد رسم التوازنات السياسية في المحيط الهادئ وسط صراع النفوذ الصيني الغربى
بكين – المنشر الإخبارى
في تحول سياسي لافت داخل واحدة من أكثر دول المحيط الهادئ حساسية جيوسياسية، انتخب برلمان جزر سليمان اليوم الجمعة ماثيو ويل رئيسًا جديدًا للوزراء، خلفًا لجيريمياه مانيلِه الذي أُطيح به عبر تصويت بحجب الثقة الأسبوع الماضي، في خطوة تعكس استمرار الاضطراب السياسي في البلاد وتزايد الجدل حول علاقتها المتنامية مع الصين.
وحسم ويل، زعيم الحزب الديمقراطي لجزر سليمان، التصويت داخل البرلمان بحصوله على 26 صوتًا مقابل 22 صوتًا لمرشح الحكومة السابق، في نتيجة تعكس انقسامًا سياسيًا حادًا داخل المؤسسة التشريعية، وتوازنًا دقيقًا بين معسكري المعارضة والموالاة.
وقال رئيس الوزراء المنتخب ماثيو ويل (57 عامًا) في أول تصريح له عقب إعلان النتيجة أمام الصحفيين خارج مبنى البرلمان: “التغيير آتٍ، هذه التغييرات مؤلمة لكنها ضرورية”، مضيفًا أن بلاده تمر بمرحلة تحتاج إلى إعادة ضبط أولوياتها الداخلية والخارجية على حد سواء.
وتابع ويل أن جزر سليمان “ليست بمنأى عن التحولات الجيوسياسية العالمية”، داعيًا الشباب إلى تبني “الطموح والعمل على بناء دولة أكثر شفافية واستقرارًا”.
خلفية سياسية متوترة
ويأتي انتخاب ويل بعد سنوات من التوتر السياسي في البلاد، خصوصًا منذ عام 2019، حين قررت جزر سليمان التحول الدبلوماسي التاريخي من تايوان إلى الصين، وهو القرار الذي أحدث انقسامًا داخليًا واسعًا، وأطلق نقاشًا مستمرًا حول طبيعة العلاقة مع بكين وحدود النفوذ الخارجي في القرار السيادي للدولة.
ومنذ توليه قيادة المعارضة في ذلك العام، قاد ويل حملة سياسية ناقدة بشدة للحكومة السابقة، مركّزًا على ملفات الشفافية، وإدارة العقود مع الشركات الأجنبية، خصوصًا العاملة في قطاعات التعدين والأخشاب، وهي قطاعات حيوية للاقتصاد المحلي لكنها مثيرة للجدل بسبب اتهامات تتعلق بسوء الإدارة والفساد وضعف الرقابة.
ويُنظر إلى ويل على أنه أحد أبرز الأصوات السياسية التي دعت إلى إعادة تقييم التقارب الاقتصادي مع الصين، دون الذهاب إلى قطيعة مباشرة، مع التركيز على ما يسميه “إعادة التوازن” في العلاقات الخارجية بما يخدم المصلحة الوطنية أولًا.
جغرافيا صغيرة… وأهمية استراتيجية كبيرة
ورغم أن عدد سكان جزر سليمان لا يتجاوز 700 ألف نسمة، فإن موقعها الجغرافي يمنحها وزنًا استراتيجيًا يفوق حجمها، إذ تقع على بعد نحو 1600 كيلومتر شمال شرق أستراليا، ما يجعلها جزءًا مهمًا من معادلات الأمن البحري في جنوب المحيط الهادئ.
هذا الموقع جعل البلاد ساحة تنافس غير مباشر بين الصين من جهة، وأستراليا والولايات المتحدة من جهة أخرى، خاصة مع تزايد الاهتمام الغربي بمنع تمدد النفوذ الصيني في الجزر الصغيرة المنتشرة في المحيط الهادئ.
ويعتبر مراقبون أن أي تغيير في القيادة السياسية في جزر سليمان ينعكس تلقائيًا على توازنات المنطقة، نظرًا لحساسية الملفات الأمنية والاتفاقيات الاقتصادية التي تربط البلاد بالقوى الكبرى.
ملف الصين في قلب الجدل
ومنذ عام 2019، حين تحولت العلاقات الدبلوماسية من تايوان إلى الصين، تصاعد الجدل الداخلي حول حجم الانفتاح على بكين، خاصة بعد توقيع اتفاقات أمنية واقتصادية مثيرة للجدل، اعتبرها معارضون “غامضة” و”تحتاج إلى مزيد من الرقابة البرلمانية”.
وكان رئيس الوزراء السابق جيريمياه مانيلِه من أبرز الداعمين لتعزيز التعاون مع الصين، بما في ذلك في مجالات البنية التحتية والاستثمار، وهو ما واجه انتقادات حادة من المعارضة التي اعتبرت أن هذه السياسات قد تؤدي إلى زيادة الاعتماد الاقتصادي على بكين.
في المقابل، ركّز ويل خلال سنوات المعارضة على ضرورة فرض شفافية أكبر في التعامل مع الشركات الأجنبية، خاصة العاملة في قطاعي التعدين والأخشاب، وهما من أهم مصادر الدخل القومي في البلاد.
مواقف داخلية متباينة
وينحدر ويل من إقليم مالايتا، وهو أكبر أقاليم جزر سليمان من حيث عدد السكان، والذي لعب دورًا مهمًا في المعارضة السياسية خلال السنوات الأخيرة، حيث عُرف بتوجهاته الأكثر تحفظًا تجاه الصين، بل إن حكومته المحلية كانت قد قاطعت بعض الشركات الصينية حتى عام 2023.
هذا الخلفية الإقليمية تعكس جزءًا من الانقسام السياسي والاجتماعي داخل البلاد، حيث تتباين الرؤى بين من يرى أن التقارب مع الصين ضرورة اقتصادية، وبين من يحذر من تأثيراته طويلة المدى على السيادة الوطنية.
توازنات دولية دقيقة
ويرى خبراء أن وصول ويل إلى رئاسة الحكومة قد لا يعني تغييرًا جذريًا في السياسة الخارجية، لكنه قد يؤدي إلى “إعادة ضبط” في وتيرة ونوعية التعاون مع الصين، مع محاولة تعزيز العلاقات مع شركاء آخرين مثل أستراليا والولايات المتحدة.
وتشير أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة الوطنية الأسترالية أنوك رايد إلى أن انتخاب ويل يمثل “تحولًا مهمًا لكنه ليس قطيعة”، متوقعة أن يتبنى نهجًا أكثر اعتدالًا، يركز على الملفات الداخلية مثل التعليم والصحة والأمن، بدل الدخول في مواجهات دبلوماسية مباشرة.
الصين ترد والدبلوماسية تراقب
وفي أول رد فعل رسمي، أعربت وزارة الخارجية الصينية عن استعدادها للعمل مع الحكومة الجديدة، مؤكدة رغبتها في “تعميق الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون العملي في مختلف المجالات”.
ويعكس هذا الرد حرص بكين على الحفاظ على علاقاتها في منطقة تعتبرها جزءًا مهمًا من امتدادها الدبلوماسي والاقتصادي في المحيط الهادئ.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
وبحسب دبلوماسيين سابقين، فإن رئيس الوزراء الجديد ماثيو ويل سيواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في تحقيق التوازن بين ضغوط الداخل التي تطالب بالشفافية والإصلاح، وبين التزامات الخارج المرتبطة بعلاقات بلاده الاقتصادية مع الصين.
ويرجح مراقبون أن تشهد المرحلة المقبلة سياسة أكثر حذرًا في إدارة العلاقات الخارجية، مع التركيز على تقوية المؤسسات الداخلية وتخفيف حدة الجدل السياسي حول الانحيازات الدولية.
وبذلك، يدخل ملف جزر سليمان مرحلة جديدة عنوانها الأساسي ليس القطيعة أو الاصطفاف، بل إعادة التموضع في خريطة التنافس الدولي المتصاعد في المحيط الهادئ، حيث تتحول الدول الصغيرة إلى أوراق مؤثرة في لعبة توازنات كبرى.










