اتهامات أمريكية متصاعدة لبكين وسط صراع دولي محتدم على النفوذ التكنولوجي والعسكري وتشديد الرقابة على انتشار التقنيات ذات الاستخدام المزدوج
واشنطن – المنشر الإخبارى
تواصل الولايات المتحدة تصعيد خطابها السياسي والأمني تجاه الصين، في إطار جدل دولي متجدد حول انتشار التكنولوجيا الحساسة المرتبطة بالبرامج النووية والصاروخية، وسط اتهامات متزايدة لبكين بالتورط غير المباشر في دعم دول تعتبرها واشنطن “مصادر تهديد” للأمن الدولي، وعلى رأسها إيران وكوريا الشمالية، إضافة إلى إشارات تمتد في بعض التقارير إلى باكستان.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت يشهد فيه النظام الدولي حالة من التوتر المتصاعد بين القوى الكبرى، حيث تتداخل الملفات الأمنية مع الصراع التكنولوجي والاقتصادي، ما يجعل ملف “منع الانتشار النووي” أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في العلاقات بين واشنطن وبكين.
جذور الاتهامات الأمريكية للصين
وفقًا لما أوردته مصادر أمريكية رسمية وتقارير نقلها موقع الكونغرس الأمريكي، فإن الحكومة الصينية – بحسب الرواية الأمريكية – لم تعد منخرطة بشكل مباشر في عمليات نقل منظمة للتكنولوجيا النووية أو الصاروخية، لكنها ما زالت تواجه اتهامات بوجود كيانات وشركات وأفراد داخل أراضيها يساهمون في تصدير مواد وتقنيات ذات استخدام مزدوج.
وتوضح هذه المصادر أن المقصود بـ”الاستخدام المزدوج” هو المواد أو التقنيات التي يمكن استخدامها في الأغراض المدنية، مثل الطاقة والصناعة، ولكن يمكن أيضًا توظيفها في تطوير برامج عسكرية متقدمة، خصوصًا في مجالات الصواريخ الباليستية أو مكونات الأسلحة النووية.
وتشير التقارير إلى أن هذه الأنشطة لا تتم عبر قنوات حكومية مباشرة، بل عبر شبكات تجارية معقدة، تشمل شركات وسيطة وشحنات غير مباشرة، ما يصعّب عملية التتبع ويخلق ثغرات في أنظمة الرقابة الدولية.
دور الكيانات والشركات داخل الصين
تؤكد التحليلات الأمريكية أن بعض الكيانات التجارية العاملة داخل الصين قد لعبت دورًا – وفق وصفها – في توفير معدات أو مواد تدخل في الصناعات الدفاعية الحساسة.
وتشير هذه الاتهامات إلى أن هذه الكيانات قد تكون جزءًا من شبكات أوسع تمتد خارج الصين، وتستخدم التجارة الدولية كغطاء لتحريك مواد وتقنيات يمكن استخدامها في برامج تسليح متقدمة في دول مثل إيران وكوريا الشمالية.
كما تبرز بعض التقارير أن هذه الشبكات قد تكون مرتبطة بعمليات مالية معقدة، تشمل تحويلات غير رسمية، وشركات واجهة، وأنظمة دفع يصعب تتبعها، ما يثير مخاوف واشنطن من وجود “ثغرات هيكلية” في نظام الرقابة على الصادرات داخل الصين.
الاتهامات المرتبطة بإيران وكوريا الشمالية
في قلب هذه الاتهامات، تأتي كل من إيران وكوريا الشمالية باعتبارهما محورًا رئيسيًا في النقاش الأمريكي حول انتشار التكنولوجيا الصاروخية والنووية.
وتزعم تقارير أمريكية أن بعض المعدات والتقنيات التي تصل إلى هاتين الدولتين قد تكون مرت عبر وسطاء تجاريين مرتبطين بشبكات داخل الصين، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لنظام منع الانتشار النووي العالمي.
وتضيف هذه التقارير أن هذه الأنشطة، إذا ثبتت، فإنها تسهم في تعزيز قدرات الصواريخ الباليستية لدى هذه الدول، بما قد يغير ميزان القوى الإقليمي ويزيد من حالة عدم الاستقرار في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية.
في المقابل، لم تصدر الصين تأكيدات رسمية على هذه الاتهامات، بل ترفض بشكل مستمر ما تصفه بـ”تسييس قضايا الأمن الدولي”، وتؤكد التزامها الكامل بالمعاهدات الدولية الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية.
موقف واشنطن: بين العقوبات والضغط السياسي
الولايات المتحدة، من جانبها، تعتمد بشكل متزايد على أدوات العقوبات الاقتصادية والسياسية في التعامل مع هذا الملف.
وخلال السنوات الأخيرة، فرضت واشنطن عقوبات على عدد من الأفراد والشركات التي تتهمها بأنها لعبت دورًا في شبكات نقل مواد أو تكنولوجيا مرتبطة ببرامج تسليح في دول خاضعة للعقوبات الدولية.
وتشمل هذه العقوبات تجميد أصول، وقيود على التعاملات المالية، ومنع الشركات الأمريكية من التعامل مع كيانات محددة، بالإضافة إلى إدراج أسماء على قوائم سوداء تتعلق بالانتشار النووي.
وترى واشنطن أن هذه الإجراءات ضرورية للحد من ما تصفه بـ”الانتشار غير المشروع للتكنولوجيا الحساسة”، بينما ترى أطراف أخرى أن هذه السياسات تُستخدم أيضًا كأداة ضغط سياسي في الصراع الأوسع مع الصين.
تطور تاريخي للملف منذ الحرب الباردة
لا يُعد هذا الملف جديدًا، بل يمتد إلى عقود سابقة تعود إلى فترة الحرب الباردة، حين كانت الصين لاعبًا مهمًا – وإن غير مباشر – في توازنات القوة الدولية.
وتشير وثائق أمريكية تاريخية إلى أن الصين خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت تنظر بشكل مختلف إلى مسألة انتشار التكنولوجيا النووية، حيث لم تكن تعارض بشكل واضح حصول بعض الدول على قدرات نووية، وفق ما ورد في تقارير رفعت عنها السرية لاحقًا.
وفي الثمانينيات والتسعينيات، بدأت الولايات المتحدة توثيق حالات تتعلق بنقل تقنيات أو مواد حساسة إلى دول مثل باكستان وإيران، وهو ما أدى لاحقًا إلى ضغوط دولية دفعت الصين إلى تبني سياسات أكثر تشددًا في الرقابة على الصادرات.
انضمام الصين إلى الأطر الدولية للرقابة
مع تطور النظام الدولي، انضمت الصين إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) بصفتها دولة نووية، كما أصبحت عضوًا في مجموعة موردي المواد النووية (NSG)، والتزمت بإرشادات نظام ضبط تكنولوجيا الصواريخ، رغم أنها ليست عضوًا كاملًا في بعض أطره التنظيمية.
وتؤكد بكين في بياناتها الرسمية أنها تدعم نظام منع الانتشار النووي، وتشارك في الجهود الدولية للحد من انتشار الأسلحة، وأنها تعمل على تطوير نظام داخلي صارم لمراقبة الصادرات ذات الاستخدام المزدوج.
اتهامات مستمرة رغم الإجراءات الصينية
ورغم هذه الخطوات، تصر التقارير الأمريكية على أن هناك “ثغرات مستمرة” في نظام الرقابة الصيني، تسمح بمرور بعض التقنيات أو المواد الحساسة عبر قنوات غير رسمية.
وتشير هذه التقارير إلى أن الفترة بين 2023 و2024 شهدت نشاطًا ملحوظًا لكيانات يعتقد أنها مرتبطة بتوفير معدات أو تقنيات تدخل في برامج تطوير الصواريخ الباليستية في إيران وكوريا الشمالية، مع امتدادات محتملة إلى باكستان.
وتضيف واشنطن أن بعض هذه الأنشطة قد تتضمن أيضًا عمليات مالية غير مشروعة، تشمل غسل أموال أو تحويلات مشبوهة تهدف إلى تمويل برامج تسليح.
رد الصين: رفض الاتهامات وتأكيد السيادة
في المقابل، تؤكد الصين أن هذه الاتهامات تفتقر إلى الأدلة القاطعة، وتندرج ضمن حملة سياسية تهدف إلى تشويه صورتها الدولية والحد من صعودها التكنولوجي والعسكري.
وتشير بكين إلى أنها تطبق قوانين صارمة على صادرات التكنولوجيا، وأن أي نشاط غير قانوني يتم التعامل معه وفق القانون الداخلي، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية.
كما ترى أن استهدافها المستمر في ملف الانتشار النووي يأتي ضمن محاولة أمريكية للهيمنة على النظام الدولي واحتكار التكنولوجيا المتقدمة.
البعد الجيوسياسي للصراع
يرى محللون أن هذا الملف لم يعد مجرد قضية انتشار نووي، بل تحول إلى جزء من صراع أوسع بين واشنطن وبكين على النفوذ العالمي.
فالولايات المتحدة تسعى إلى الحد من توسع القدرات التكنولوجية والعسكرية الصينية، بينما تعمل بكين على تعزيز شراكاتها مع دول في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، بما يوسع نطاق نفوذها الاقتصادي والسياسي.
وفي هذا السياق، يصبح ملف “التكنولوجيا الحساسة” ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوتين، حيث تُستخدم التقارير الاستخباراتية والعقوبات كأدوات ضغط متبادلة.
مستقبل الملف: تصعيد أم احتواء؟
مع استمرار تبادل الاتهامات، يبدو أن الملف مرشح لمزيد من التصعيد، خاصة في ظل غياب قنوات ثقة استراتيجية قوية بين الجانبين.
ويرى مراقبون أن أي تقدم في هذا الملف يتطلب تعاونًا دوليًا أوسع، يشمل ليس فقط واشنطن وبكين، بل أيضًا الدول المعنية مباشرة مثل إيران وكوريا الشمالية وباكستان، إضافة إلى المؤسسات الدولية المعنية بمنع الانتشار النووي.
لكن في ظل المناخ السياسي الحالي، تبقى احتمالات التهدئة محدودة، فيما يستمر كل طرف في تعزيز روايته الخاصة حول المسؤولية عن انتشار التكنولوجيا الحساسة.










