في تطور قضائي بارز يحمل أبعادا إنسانية ودبلوماسية، أعلن محاميا الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم بالسجن سبع سنوات في الجزائر، الأربعاء، أن محكمة النقض (المحكمة العليا) رفضت طعنا تقدمت به النيابة العامة. ويمثل هذا القرار القضائي محطة مفصلية،إذ ينهي رسميا كافة إجراءات التقاضي الطويلة، ويفسح المجال قانونيا أمام احتمال إصدار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عفوا رئاسيا عن غليز، لتنتهي بذلك أزمته التي استمرت لعامين خلف القضبان.
وتأتي هذه التطورات المتسارعة قبل أيام قليلة من انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم في أمريكا وكندا والمكسيك، وسط آمال عريضة بعودة الصحفي إلى عائلته ومدرجات الملاعب.
تفاصيل قرار المحكمة العليا وإنهاء الجدل القضائي
وجاء في قرار رسمي صدر عن المحكمة العليا في 25 مايو الماضي، أنها “بتت نهائيا” في القضية التي أثارت اهتماما إعلاميا واسعا. وأوضح المحاميان عميروش باكوري وإيمانويل داوود، في بيان مشترك، أن المحكمة “أخذت علما بتنازل” موكلهما كريستوف غليز عن الطعن الذي كان قد تقدم به سابقا، وفي الوقت ذاته “رفضت في المضمون” الطعن الذي تقدمت به النيابة العامة، مما يغلق الباب أمام أي مسارات قضائية أخرى داخل المحاكم الجزائرية.
وكان الصحفي الرياضي الفرنسي قد أوقف في مايو 2024 في منطقة القبائل (شمال شرق الجزائر)، حيث كان يجري تحقيقا صحفيا ميدانيا عن نادي شبيبة القبائل، الفريق الكروي العريق ذو الشعبية الكبيرة. ولاحقا، في يوليو 2025، أصدر القضاء الجزائري حكما بحقه بالسجن لمدة سبع سنوات بعد توجيه تهمة “الإشادة بالإرهاب” إليه، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف في ديسمبر الماضي، وسط تنديد مستمر من عائلته ومنظمات حقوقية دولية نفت عنه هذه التهم.
زوال العقبة الأخيرة وطريق مفتوح للعفو الرئاسي
وفي مارس الماضي، اتخذ غليز خطوة استراتيجية بسحب طعنه بالنقض، ليصبح طعن النيابة هو العقبة الأخيرة والوحيدة أمام احتمال صدور عفو رئاسي، نظرا لأن القوانين الجزائرية تشترط إتمام كافة إجراءات التقاضي ونفاذ الأحكام قبل إمكانية التماس العفو. وأوضح المحاميان أنه “بعد أن أغلق الآن الجدل القضائي، فإن مستقبل كريستوف غليز أصبح منوطا بالكامل بالصلاحيات التقديرية للرئيس عبد المجيد تبون”.
وأعرب المحامي الجزائري عميروش باكوري وزميله الفرنسي إيمانويل داوود “عن أملهما الكبير” في أن “يصدر عفو رئاسي في أقرب الآجال، من أجل وضع نهاية سريعة وإنسانية لهذه القضية المؤلمة”.
“مراسلون بلا حدود” تدعو لتمكينه من تغطية المونديال
من جهته، اعتبر تيبو بروتان، المدير العام لمنظمة “مراسلون بلا حدود” والتي ترأس لجنة دعم كريستوف غليز، في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية، أن قرار محكمة النقض يمثل انفراجة حقيقية؛ كونه “يفتح الطريق واسعا أمام عفو رئاسي، وهو المخرج الوحيد المتبقي لإنهاء المأساة الإنسانية التي يعيشها كريستوف غليز وعائلته منذ عامين”.
وأضاف بروتان: “قبل أيام قليلة من صافرة البداية لكأس العالم التي تنطلق في 11 يونيو في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، أصبح من الضروري والإنساني أن يستعيد كريستوف عائلته، وأن يعود إلى مكانه الطبيعي في المنصة المخصصة للصحافة في الملاعب العالمية”.
الخلفية الدبلوماسية والمناسبات المرتقبة للعفو
وعادة ما يغتنم رئيس الجمهورية في الجزائر الأعياد الدينية الإسلامية، بالإضافة إلى مناسبة عيد الاستقلال الوطنية المصادفة للخامس من يوليو، لإصدار مراسيم عفو رئاسي عن السجناء.
وتعد قضية غليز من بين العديد من النقاط الساخنة وملفات الخلاف التي ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية بين باريس والجزائر، إذ أثيرت القضية مجددا الإثنين الماضي خلال لقاء رفيع المستوى عقد في باريس، وضم وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود ونظيره الفرنسي لوران نونيز، في إطار مساع دبلوماسية لاحتواء الأزمة وتعبيد الطريق نحو تسوية شاملة.










