جدل واسع في بريطانيا بعد حكم قضائي يربط احتجاجات مؤيدة لفلسطين بـ“الإرهاب” وسط انتقادات حقوقية وتحذيرات من تقييد حرية التعبير
لندن – المنشر الإخباري
أثار قرار قضائي في المملكة المتحدة موجة جدل واسعة، بعدما وصف قاضٍ بريطاني أربعة نشطاء من حركة “فلسطين أكشن” بأن لهم “ارتباطاً إرهابياً”، على خلفية اقتحامهم موقعاً تابعاً لشركة الأسلحة الإسرائيلية “إلبيت سيستمز” داخل بريطانيا.
وجاء الحكم الصادر عن القاضي جيريمي جونسون خلال جلسة عُقدت في محكمة “وولويتش كراون” جنوب شرق لندن، بالتزامن مع تجمع مئات المتظاهرين خارج المحكمة دعماً للنشطاء الأربعة، في مشهد عكس حجم الانقسام داخل الشارع البريطاني حول القضية.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام محلية، فقد أقدمت الشرطة البريطانية على اعتقال 107 متظاهرين كانوا يشاركون في وقفة احتجاجية سلمية أمام المحكمة، للتعبير عن تضامنهم مع النشطاء وموقفهم الرافض لسياسات تصدير السلاح إلى إسرائيل.
وتعود أحداث القضية إلى أغسطس/آب 2024، حين نفّذ أربعة نشطاء من حركة “فلسطين أكشن” عملية اقتحام لموقع تابع لشركة “إلبيت سيستمز” قرب مدينة بريستول، وهي شركة تُعد من أبرز موردي المعدات العسكرية للجيش الإسرائيلي.
وخلال العملية، ألحق النشطاء أضراراً قدرت بنحو 1.2 مليون جنيه إسترليني في معدات عسكرية، في خطوة قالت الحركة إنها تهدف إلى تعطيل إمدادات السلاح المستخدمة في العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، والضغط من أجل إغلاق المنشأة داخل الأراضي البريطانية.
لكن المحكمة اعتبرت أن الأضرار التي لحقت بالموقع “ترتبط بسياق إرهابي”، استناداً إلى ارتباط النشطاء بحركة “فلسطين أكشن”، التي كانت الحكومة البريطانية قد صنفتها كـ“منظمة إرهابية” في يوليو/تموز 2025.
وفي تطور لاحق، قضت المحكمة العليا البريطانية في فبراير/شباط 2026 بأن قرار تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية كان غير قانوني، إلا أن الحكومة واصلت الطعن في الحكم مع الإبقاء على تصنيف الحظر سارياً بشكل مؤقت.
وبموجب القوانين البريطانية الخاصة بمكافحة الإرهاب، فإن الانتماء إلى تنظيم محظور أو دعم أنشطته يعد جريمة جنائية قد تصل عقوبتها إلى 14 عاماً من السجن، وهو ما يضع النشطاء أمام تبعات قانونية مشددة.
وبحسب الحكم الأخير، فإن توصيف “الارتباط الإرهابي” سيؤثر أيضاً على شروط الإفراج المبكر للنشطاء الأربعة، حيث لن يخضعوا للإجراءات المعتادة الخاصة بالإفراج التلقائي، بل سيتم عرض ملفاتهم على لجنة إفراج مشروط لتقييم ما إذا كانوا يشكلون “خطراً على المجتمع” قبل اتخاذ أي قرار بالإفراج.
القضية فجّرت انتقادات حقوقية داخل وخارج بريطانيا، حيث اعتبر المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك أن استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد نشطاء مؤيدين لفلسطين يثير مخاوف جدية بشأن حرية التعبير وحق التظاهر السلمي، واصفاً الإجراء بأنه “غير متناسب”.
في المقابل، يرى منتقدون للقرار أن ما جرى يعكس تشدداً متزايداً من قبل السلطات البريطانية تجاه الحركات المؤيدة لفلسطين، خصوصاً في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما خلفته من تداعيات إنسانية واسعة.
كما تشير تقارير حقوقية إلى استمرار صادرات الأسلحة البريطانية إلى إسرائيل، بما في ذلك مكونات طائرات “إف-35”، رغم قرارات تعليق جزئي صدرت في وقت سابق، وهو ما يزيد من حدة الجدل السياسي والقانوني حول دور لندن في النزاع.
وتقول حركة “فلسطين أكشن” إنها تعتمد أساليب “العمل المباشر” لاستهداف شركات السلاح المرتبطة بإسرائيل، معتبرة أن أنشطتها تأتي في إطار الاحتجاج على ما تصفه بـ“جرائم حرب” في غزة، بينما تصفها السلطات البريطانية بأنها أنشطة غير قانونية.
ويأتي هذا الحكم في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في عدد من المدن البريطانية والأوروبية، وسط نقاش متزايد حول حدود حرية التعبير، وتعريف “الإرهاب”، والفصل بين العمل السياسي والأنشطة العنيفة.
وبينما تستمر الإجراءات القضائية في هذه القضية، يبقى الملف مرشحاً لمزيد من التصعيد القانوني والسياسي داخل بريطانيا، خاصة مع استمرار الاستئناف الحكومي ضد حكم سابق اعتبر قرار حظر الحركة غير قانوني.
وفي ظل هذا التباين الحاد بين المؤسسات القضائية والسياسية والحقوقية، يبدو أن قضية “فلسطين أكشن” أصبحت محوراً جديداً للصراع حول كيفية تعامل الغرب مع الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة ودعم إسرائيل.










