قصف وتوغلات إسرائيلية رغم الاتفاق برعاية أمريكية.. وتحذيرات لبنانية من تقويض فرص التهدئة
بيروت – المنشر الاخبارى
لم تمضِ سوى ساعات على توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة في العاصمة الأمريكية واشنطن، حتى شهد جنوب لبنان تصعيدًا عسكريًا جديدًا، بعدما نفذت القوات الإسرائيلية عمليات توغل وقصف استهدفت عدة بلدات حدودية، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن مستقبل الاتفاق وإمكانية تطبيقه على الأرض.
وأفادت تقارير ميدانية بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي تقدمت، صباح السبت، باتجاه الأطراف الشرقية لبلدة كفرشوبا في جنوب لبنان تحت غطاء كثيف من نيران الرشاشات الثقيلة، في حين سُجلت تحركات عسكرية إسرائيلية متزامنة في مناطق حدودية أخرى، وسط حالة استنفار بين السكان.
كما ألقت القوات الإسرائيلية قنبلة صوتية قرب بلدة كفر تبنيت، ما أثار حالة من الذعر بين المدنيين، بينما شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارة ليلية استهدفت موقعًا في بلدة مركبا الحدودية، وفق ما نقلته الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام.
وجاء هذا التصعيد بعد إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التوصل إلى اتفاق إطاري من 14 بندًا بين بيروت وتل أبيب، اعتبره “بداية البداية” لمسار تفاوضي طويل، يهدف إلى معالجة الملفات الأمنية والعسكرية العالقة بين الجانبين.
ورحب السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر بالاتفاق، معتبرًا أنه يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة في العلاقات بين إسرائيل ولبنان، مدعيًا أن الاتفاق يعني عمليًا إخراج حزب الله من المعادلة الأمنية في الجنوب.
من جهته، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق بأنه إنجاز مهم لإسرائيل، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي سيواصل البقاء داخل ما يسميه “الحزام الأمني” في جنوب لبنان، وأنه لن يسمح بعودة السكان اللبنانيين أو عناصر حزب الله إلى تلك المناطق قبل نزع سلاح الحزب بالكامل.
وأضاف نتنياهو أن الاتفاق يتضمن البدء بمنطقتين تجريبيتين ينتشر فيهما الجيش اللبناني بعد انسحاب إسرائيلي تدريجي، مشددًا على أن هذا الإجراء يمثل مرحلة أولى فقط ضمن ترتيبات أمنية أوسع.
في المقابل، أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة داخل لبنان، حيث اعتبر عدد من المسؤولين والقوى السياسية أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بعد توقيع الاتفاق ينسف الثقة بأي مسار تفاوضي، ويؤكد أن تل أبيب ما زالت تعتمد القوة العسكرية لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقال النائب اللبناني حسن فضل الله، عضو كتلة الوفاء للمقاومة التابعة لحزب الله، إن السلطات اللبنانية لن تتمكن من تنفيذ الاتفاق بصيغته الحالية من دون جر البلاد إلى صدام داخلي، معتبرًا أن أي محاولة لفرضه بالقوة قد تدفع لبنان نحو حرب أهلية.
وأكد فضل الله أن المقاومة ستبقى عنصرًا أساسيًا في المعادلة اللبنانية، وأن أي ترتيبات تتجاهل هذا الواقع لن يكون مصيرها النجاح، مشيرًا إلى أن ما جرى في واشنطن يتعارض مع التفاهمات الإقليمية الأوسع التي جرى التوصل إليها مؤخرًا.
كما حذر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري من الانجرار إلى الفتنة الداخلية عقب توقيع الاتفاق، داعيًا اللبنانيين إلى الحفاظ على وحدتهم الوطنية وعدم السماح للخلافات السياسية بالتحول إلى صراع داخلي يخدم إسرائيل.
وفي بيان له، وصف بري المرحلة الحالية بأنها شديدة الحساسية، داعيًا جميع القوى اللبنانية إلى التعامل بحذر مع التطورات السياسية والعسكرية، وعدم الانخراط في أي مسار قد يؤدي إلى تقسيم الصف الداخلي.
وكانت السفارة اللبنانية في واشنطن قد أعلنت عقب مراسم التوقيع أن تنفيذ الاتفاق سيبدأ بانسحاب القوات الإسرائيلية من منطقتين نموذجيتين في جنوب لبنان، يعقبه انتشار الجيش اللبناني، تمهيدًا لانسحاب إسرائيلي تدريجي من بقية الأراضي اللبنانية المحتلة.
وأوضحت السفارة أن الاتفاق ينص كذلك على اتخاذ إجراءات أمنية تشمل بسط سلطة الدولة اللبنانية في المناطق التي سيجري الانسحاب منها، باعتبارها خطوة أولى نحو استكمال الانسحاب الإسرائيلي واحترام سيادة لبنان على كامل أراضيه.
ويأتي هذا التطور في وقت لا تزال فيه المواجهات مستمرة على الحدود اللبنانية، إذ تشير البيانات اللبنانية إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ الثاني من مارس الماضي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 3600 شخص وإصابة أكثر من 11 ألفًا، فضلًا عن نزوح أعداد كبيرة من السكان من القرى الحدودية.
في المقابل، يواصل حزب الله تنفيذ عمليات عسكرية ضد القوات الإسرائيلية، مؤكدًا أن المقاومة ستستمر طالما استمرت الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية.
كما يرتبط الاتفاق الإطاري بالتفاهمات الأوسع التي تضمنتها مذكرة التفاهم الموقعة مؤخرًا بين إيران والولايات المتحدة، والتي تضمنت بنودًا تدعو إلى وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان واحترام سيادته ووحدة أراضيه، إلا أن التصعيد العسكري الأخير يثير شكوكًا حول فرص نجاح هذه التفاهمات في ظل استمرار العمليات الميدانية.
ويرى مراقبون أن استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية بعد توقيع الاتفاق يضع مستقبل التفاهمات الجديدة أمام اختبار مبكر، خاصة في ظل التباين الواضح بين الخطاب السياسي المعلن والتطورات الأمنية المتسارعة على الأرض، الأمر الذي قد يعقد مسار تنفيذ الاتفاق خلال المرحلة المقبلة.










