في حصيلة مأساوية تعكس حدة التغيرات المناخية، أعلنت الهيئة الوطنية للصحة العامة في فرنسا عن تسجيل زيادة في حالات الوفاة تجاوزت 1000 حالة “غير متوقعة” خلال الأيام الأخيرة، مقارنة بالمعدلات الطبيعية، وذلك تزامناً مع موجة الحر الشديدة التي ضربت البلاد.
وبينما بدأت الأجواء في الانفراج مع توقعات بهطول أمطار وعواصف، تجد الحكومة الفرنسية نفسها في مواجهة عاصفة سياسية من الانتقادات حول مدى جاهزيتها للتعامل مع هذه الأزمات.
أزمة ثقة في الأداء الحكومي
تواجه حكومة سيباستيان ليكورنو انتقادات حادة، حيث يرى مراقبون وخبراء أن الدولة أظهرت “تراجعاً” في مواجهة تداعيات الحرارة.
ويؤكد برنارد سانانيس، رئيس معهد “إيلاب” لاستطلاعات الرأي، أن موجة الحر سلطت الضوء على “إخفاقات النظام” وعدم جاهزية القطاعات المختلفة، من المدارس إلى المستشفيات والإسكان، للتعامل مع المتغيرات المناخية، واصفاً ما حدث بأنه “تراجع للدولة أمام الجميع”.
في المقابل، تحاول السلطة التنفيذية امتصاص هذه الانتقادات عبر حضور إعلامي مكثف وتفعيل خطط طوارئ عاجلة.
وفي مقابلة مع صحيفة “لا تريبيون صنداي”، أكدت الوزيرة ستيفاني ريست أن النظام الصحي صامد بفضل جهود الأطقم الطبية، معلنة عن رصد 100 مليون يورو لتوفير معدات تبريد طارئة، بما في ذلك طلب 30 ألف جهاز تكييف للمستشفيات، من المتوقع توريدها خلال فصل الصيف.
مؤشرات مقلقة وتأثير متأخر
وأوضحت ريست أن الأرقام المسجلة تشير إلى ارتفاع لافت في معدلات الوفيات مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
ورغم أن البيانات النهائية التي تربط هذه الوفيات بشكل مباشر ومحدد بالحرارة لا تزال قيد الدراسة، إلا أن الوزيرة حذرت من “التأثير المتأخر” للموجة، خاصة على الفئات الأكثر ضعفاً، مؤكدة أن حتى الشباب باتوا يواجهون مخاطر صحية جسيمة، حيث يضطر الكثيرون للتوجه إلى غرف الطوارئ بعد مرور أيام من انتهاء موجة الحر.
ووفقاً لبيانات “لو باريزيان”، فإن النسبة الأكبر من الوفيات الإضافية تركزت بين الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً، مع رصد زيادة “مقلقة” بنسبة 40% في الوفيات المسجلة داخل المنازل، مما يعزز فرضية أن الكثيرين رحلوا بصمت دون أن يتسنى لهم طلب المساعدة.
ضغط هائل على منظومة الطوارئ
تعاني المستشفيات الفرنسية، لا سيما في باريس، من ضغوط غير مسبوقة؛ حيث ارتفع نشاط خدمات الطوارئ بنسبة قاربت 18% خلال أسبوع واحد، مع وصول عدد زيارات غرف الطوارئ يوم السبت وحده إلى قرابة 3000 زيارة، وهو رقم يزيد بنسبة 36% عن المعدلات اليومية المعتادة.
ويشير الدكتور فيليب جوفين، رئيس قسم الطوارئ في مستشفى “جورج بومبيدو”، إلى أن الوضع “شديد الخطورة”، محذراً من أن الأيام المقبلة قد تكشف عن حصيلة أكثر سوءاً: “مع عودة العاملين في الرعاية المنزلية والأسر إلى العمل، نتوقع العثور على المزيد من المسنين في حالات حرجة أو متوفين داخل منازلهم”.
ومع توقعات الأرصاد بوصول نظام عاصفي جديد يمتد من جبال البرانس وصولاً إلى منطقة “ماسيف سنترال”، تأمل فرنسا في أن تضع هذه الأمطار حداً لموجة وضعت المنظومة الصحية والسياسية تحت اختبار قاسٍ، بانتظار الحصيلة النهائية التي قد تفرض نقاشاً وطنياً حول “أمن المناخ”.










