مركبات ومولدات ومعدات طبية وأبراج مراقبة ضمن أصول معروضة للبيع.. هل هي عملية تصفية روتينية أم بداية لتقليص الوجود الأممي؟
مقديشو- المنشر_الاخباري
طرحت الأمم المتحدة في الصومال قائمة واسعة من الممتلكات والمعدات للبيع، شملت مركبات وحواسيب ومولدات وحاويات بحرية ومساكن جاهزة ومعدات طبية وآليات ثقيلة، إلى جانب أبراج مراقبة ومحطات لمعالجة مياه الصرف، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن مستقبل العمليات الأممية في بلد لا تزال حركة الشباب تنشط فيه وتشن هجمات ضد الحكومة والقوات المتحالفة معها.
ونشر مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال “أونسوس” في السادس من أغسطس طلباً لإبداء الاهتمام من شركات مزادات مرخصة تعمل داخل البلاد، تمهيداً لإبرام عقد يتولى بموجبه طرف متخصص تنظيم بيع ممتلكات تابعة للمنظمة.
وتضم قائمة الأصول المعروضة سيارات ومعدات حاسوبية وهواتف ومعدات اتصالات وشبكات ومكاتب ومطابخ، إضافة إلى حاويات بأحجام مختلفة، وغرف سكن جاهزة ومولدات ومختبرات ومعدات طبية وإنشائية وآليات ثقيلة.
ومن بين العناصر اللافتة في القائمة أبراج المراقبة الأمنية ومحطات معالجة مياه الصرف، وهي منشآت ترتبط عادة بالمجمعات والقواعد التي تستخدمها البعثات الدولية لفترات طويلة، ما جعل الإعلان أكثر إثارة للاهتمام من مجرد عملية بيع لمعدات مكتبية أو سيارات مستعملة.
ومع ذلك، فإن الإعلان لا يعني أن الأمم المتحدة قررت الانسحاب من الصومال، كما أنه لا يحدد حجم الأصول التي سيتم بيعها أو قيمتها الإجمالية أو مواقعها أو حالتها. كما أن العملية لا تمثل مناقصة نهائية، إذ تحتفظ الجهة الأممية بحق تعديل الإجراءات أو إلغائها.
ويشير ذلك إلى أن الحديث عن مغادرة أممية شاملة للصومال لا يزال سابقاً لأوانه، لكن توقيت الخطوة يثير تساؤلات في ظل الضغوط المالية المتزايدة التي تواجه العمليات الأمنية الدولية في البلاد.
وتأتي عملية المزاد بعد تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة أبلغت الاتحاد الأفريقي بأنها لن تواصل، اعتباراً من عام 2027، دعم التمويل اللوجستي الذي يقدمه مكتب الأمم المتحدة لبعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال “أوصوم”.
وتقدر تكلفة الدعم اللوجستي الذي يوفره المكتب بنحو 500 مليون دولار سنوياً، فيما تقول واشنطن إنها قدمت قرابة ملياري دولار للمكتب وسلفه، دون أن يتمكن الصومال حتى الآن من تولي معظم المهام الأمنية أو تثبيت المكاسب الميدانية في مواجهة حركة الشباب.
ويلعب “أونسوس” دوراً أساسياً في دعم القوات الأفريقية والصومالية، من خلال توفير الغذاء والمياه والوقود والنقل والاتصالات والخدمات الطبية والإمدادات المختلفة، وهي خدمات تمثل جزءاً مهماً من قدرة القوات المنتشرة في مناطق القتال على الاستمرار في عملياتها.
أما بعثة “أوصوم” التابعة للاتحاد الأفريقي فتضم نحو 12 ألف عنصر، وتعمل إلى جانب الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب، التي لا تزال تسيطر على مناطق من البلاد وتمتلك القدرة على تنفيذ هجمات وشن عمليات ضد مواقع حكومية وعسكرية.
وفي الوقت نفسه، توجد بعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال “أونتميس”، التي تضطلع بدور سياسي، ومن المقرر أن تنقل مهامها تدريجياً قبل انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر 2026.
وبالتالي، فإن بيع بعض ممتلكات مكتب الدعم لا يعني تلقائياً إغلاق جميع البعثات الأممية أو انسحاب القوات الأفريقية، خصوصاً أن ولاية المكتب لم تتغير خلال عام 2026، رغم التحذيرات من أن نقص التمويل والسيولة قد يؤثر على قدرته على تنفيذ مهامه.
لكن اتساع قائمة الأصول، وإمكانية استمرار عقد المزادات لمدة عام، بالتزامن مع اقتراب نهاية البعثة السياسية وتزايد المخاوف بشأن التمويل الأميركي، يضع العملية في سياق أوسع من مجرد التخلص من معدات قديمة.
فالقلق الأكبر لا يتعلق ببيع سيارات أو أجهزة حاسوب، وإنما باحتمال تراجع البنية اللوجستية التي تعتمد عليها القوات الصومالية والأفريقية في عملياتها، من الوقود والإمدادات إلى النقل والإخلاء الطبي والاتصالات.
وفي حال تقلص الدعم الدولي قبل أن تتمكن الحكومة الصومالية من توفير بديل قادر على سد الفجوة، فقد تواجه القوات الموجودة على الأرض صعوبات أكبر في الحفاظ على انتشارها وعملياتها، وهو ما يمكن أن يمنح حركة الشباب فرصة لاستغلال أي فراغ أمني أو لوجستي.
وبذلك تبدو خطوة المزاد أقرب إلى إشارة تستحق المتابعة منها إلى دليل قاطع على انسحاب الأمم المتحدة. فالمنظمة لم تعلن مغادرة الصومال، لكن بيع الأصول في هذا التوقيت يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول حجم الوجود الدولي الذي سيبقى في البلاد، ومن سيتولى تمويله، وما إذا كان الصومال مستعداً فعلاً لتحمل العبء الأمني واللوجستي بنفسه.










